اخبار

تأثير الرياضة على صحة الموظفين

ينظر أغلب الناس -إن لم يكن كلهم- إلى ممارسة الرياضة بعين التقدير والإعجاب؛ فلا تكاد تسمع أن فلانًا من الناس ذهب للنادي أو يمارس الرياضة حتى تسمع معها كلمة: ما شاء الله! ويكاد يُجمع الناس على فوائدها للصحة بشكل عام، ولا يختلف في ذلك موظف أو تاجر أو طالب أو ربة بيت أو مزارع. ومع كل هذا الحضور الإيجابي للرياضة في أذهان الناس بصفتها رديفًا لمعاني الصحة والنشاط إلا أن هناك بعدًا جديدا قد بدأ بالظهور مؤخّرا، و هو يحظى باهتمام الشركات وأرباب العمل ألا وهو تأثيرها على صحة الموظفين تحديدًا وعلاقتها بزيادة إنتاجية الموظف.

الموظف ما هو إلا إنسان، والإنسان وحدةٌ واحدة ذات جوانب متعددة: بدنية وروحية ونفسية وعقلية واجتماعية، تربط بينها علاقة تكاملية وتبادلية، وأي تحسّن في أحد هذه المكونات يؤثر تأثيرا إيجابيا على بقية الجوانب. وبالعمل على إيجاد التوازن بين تلك الجوانب وألا يطغى جانب على آخر يتحقق نجاح الموظف وسعادته ورضاه، ومن هنا تأتي أهمية البدن ونشاطه و العناية به من أجل صحة الموظف ورفاهيته وزيادة إنتاجيته.

أهمية الرياضة في زيادة إنتاجية الموظف

تسهم الرياضة في زيادة إنتاجية الموظف من خلال تأثيرها الإيجابي على: صحته الجسدية وحالته النفسية وقدراته الذهنية وعلاقاته الاجتماعية في بيئة العمل، والتي بدورها تنعكس إيجابًا على أدائه في العمل وزيادة دافعيته ورفع إنتاجيته وتقليل الغياب والإجازات المرضية، فكيف للرياضة أن تحقق ذلك على وجه التفصيل؟

الرياضة وقاية من الأمراض وعلاج لها

تحسّن الرياضة المنتظمة -بالتلازم مع التغذية الجيدة- الصحة بشكل عام، فهي ترفع المناعة اللازمة لمواجهة الأمراض الموسمية وتلك المرتبطة بتغيرات الطقس، وتقي من المشكلات الصحية الناشئة عن الجلوس الطويل على المكتب أو أمام الحاسوب في وضعيّات غير ودودة للجسم تفرض تغييرات مختلفة للعضلات والهيكل العظمي بالإضافة إلى وظائف الأعضاء الأخرى وتظهر نتائجها السلبية على المدى البعيد مما قد يسبب إعاقات أو إضعاف أداء الموظف، ومن أمثلة ذلك العدد المتزايد للأشخاص الذين يعانون من مشاكل أسفل الظهر والعمود الفقري والانزلاق الغضروفي. ولا يخفى دور الرياضة الفاعل في الإسهام في علاج أمراض العصر الناشئة عن النمط المعيشي الخامل مثل: السمنة وأمراض الأوعية الدموية والقلب وارتفاع ضغط الدم وهشاشة العظام.

خفض القلق ورفع الروح المعنوية

تصنع الرياضة يومَ عمل يتميّز بالنشاط والمتعة، فهي تحسّن المزاج وتزيد الدافعية للعمل والتعاون وترفع الروح المعنوية، ومن جهة أخرى تخفض مستويات التوتر وتقلل الضغط النفسي. ولممارسة الرياضة خلال ساعات الدوام تأثير إيجابي على العمل لأنها تكسر الرتابة والفتور وتفصل الموظف تماما عن مشاغل العمل وضغوطه والسيل الذي لا ينقطع من الاجتماعات ورسائل البريد الإلكتروني، والرياضة أحد وسائل إطلاق هرمون الأندورفين الذي يمد الجسم بالطاقة والحيوية ويقلل من شعور الاكتئاب.

الترفيه وزيادة التفاعل الاجتماعي

تُعدّ الرياضة أحد جوانب الترفيه، ويحقّق إدماجها ضمن الأنشطة الاجتماعية الترفيهية عوائد ملموسة على إنتاجية الموظف و إنتاجية المؤسسة بالكامل؛ فهي تحسّن العلاقة بين الموظفين على اختلاف مستوياتهم وتشيع أجواءً ودودة تتجاوز العلاقات الرسمية و تُسهم في تخفيف مستويات الضغط النفسي والاحتراق الوظيفي، وتخلق الأنشطة الرياضية الجماعيّة شعورا بالانتماء لدى الموظف وتشاركا للأهداف وتحسّن التواصل بين أشخاص ما كان لهم أن يتواصلوا ويعملوا معا في العمل؛ مما يجعل الموظف بارعًا في العمل التعاوني والمساعدة في إنجاز الأعمال وإكمال المهام المطلوبة، بل والخروج بأفكار وطرق عمل جديدة من شأنها تحسين الأداء الوظيفي ومن ثم الإنتاجية، وهي أيضا تكشف الميول والمواهب والقدرات وتظهرها بأفضل طريقة للمساهمة في إنجاح الفريق والمواجهة الجماعية في حل مشكلات المؤسسة.

شحذ القدرات الذهنيّة وإطلاق الإبداع

الذهن المثقل بالتفكير والأعمال والمهام يتعب ويكلُّ ويصدأ ويضعُف أداؤه، وبممارسة نشاط رياضي ما يتحرر الذهن من تلك الأحمال المعيقة ويستعيد طاقته ويتجدّد نشاطه. هناك ارتباط ما بين حركة الجسم وحركة العقل وكأن الرياضة لا تمرّن عضلات الفرد فحسب بل تمرن ذهنه أيضا، فعند مواجهة مشكلة ما في العمل وخرجت لممارسة المشي ستجد أن العقل مستمرٌ في التفكير فيها وكأنه يعمل في الخلفية ليصل إلى حلول إبداعية ما كان له أن يصل إليها وهو جالس في مكان العمل، وأيضا عند نفاد الأفكار الجيدة في العمل أو عند العجز عن التركيز ستجد أن الهرولة قليلا في الخارج تجعلك تعود مرتاحا أكثر وتبدأ الأفكار بالتدفّق من جديد.

الرياضة وتقليل الإجازات المرضية

هذه الفائدة هي نتيجة تلقائية لما سبق ذكره؛ فعندما يتمتع الموظف بلياقة بدنية مناسبة -على أقل تقدير- وبروح معنوية عاليّة ويسلك نمط حياة معيشي صحي ويحظى بعلاقات اجتماعية جيدة في بيئة عمل إيجابية لابد وأن يكون لذلك أُثر إيجابي على رضاه الوظيفي؛ يعينه على تحمل أعباء العمل و قد يعطي العمل ساعات إضافية من وقته حبا وكرامة، ويقلل من الغياب وطلب الإجازات المرضية.

وهذا ما تؤيده تجربة شركة جنرال موتورز لصناعة السيارات، فبعد تنفيذ برنامج رياضي وصحي لمدة عام واحد أظهرت النتيجة انخفاضًا كبيرًا في الحوادث والأمراض في 130 موقع عمل، وكان له تأثير إيجابي على أداء الموظفين، كما قدرت الشركة أن ربحيتها من الاستثمار في البرنامج كانت أعلى بثلاث مرات من تكلفة المشروع.

يمثل تكرار طلب الإجازات المرضية عبئا على المؤسسات وأرباب العمل، وهي تسعى جاهدة للحد من هذه الظاهرة ومعالجتها سواء كانت مرضا حقيقيّا أو لأسباب أخرى لتتجنب الكلفة والخسارة المترتبة عليها، وتصنّف منظمة الصحة العالمية البرامج التي تستهدف تعزيز الصحة ورفاهية الموظفين في بيئة العمل كواحدة من أفضل الخيارات للوقاية من الأمراض، وقد أدركت الكثير من الشركات الأثر المهم والفاعل للتمرين البدني في صحة موظفيها وبالتالي لإنتاجية وربحية الشركة؛ لذلك سعت إلى تبنّي برامج تعزّز صحة الموظفين وتحفّز على ممارسة الرياضة وإدخال تعديلات على بيئة العمل تخدم تلك البرامج والتوجهات.

توجهات واقتراحات لتشجيع الموظفين على الرياضة

1.    تبنّي ثقافة اتباع نمط حياة صحي ونشرها في المؤسسة: من أجل إنشاء مجتمع يؤمن بأهمية الرياضة وأثرها على الإنتاجية و دورها في تحسين جودة الحياة، وتساعد تلك الثقافة الموظفين على رؤية أنهم بحاجة للبدء في إجراء تغييرات تتعلق بصحتهم وأسلوب حياتهم الرياضي والتغذوي، ويكون ذلك من خلال وسائل متنوعة منها: الدورات التدريبية والورش والمحاضرات والرسائل التوعوية التي تنشر المفاهيم الصحية والرياضية وتوضح الطرق والوسائل المتنوعة لتحقيق ذلك.

2.    إجراء تعديلات على بيئة العمل للتحفيز على ممارسة الرياضة: كاستحداث جداول وساعات عمل مرنة، أو تخصيص وقت لممارسة الرياضة خلال يوم العمل وجعل التمرين جزءًا منتظما منه. وتُعد مزاولة الموظفين أنشطة رياضية خلال استراحة الغداء في العمل من الممارسات الشائعة في بعض الدول الغربية، إلا أن الأمر تعدى مجرد التحفيز على  الرياضة إلى الإجبار، فقد ذكرت صحيفة الاتحاد الإمارتية أن شركات سويدية باتت تفرض على العاملين فيها ممارسة الرياضة أثناء أداء الوظيفة، مثل شركة “كالمار فاتن” العامة لتوزيع المياه و ماركة الملابس التي تحمل اسم نجم كرة المضرب السويدي السابق “بيورن بورغ”.

3.    توفير الموارد اللازمة لممارسة الرياضة داخل المؤسسة، كتخصيص مكان لصالة ألعاب رياضية مجهزة بالأدوات والأجهزة اللازمة، وقد تفاعلت مراكز اللياقة البدنية مع اهتمام الشركات بصحة موظفيها ورغبتها في ممارستهم للرياضة فعمدت إلى تخصيص مساحات عمل داخلها مجهزة بطاولات ومقاعد تغري الموظفين الذين يعملون عن بعد بإحضار أجهزتهم المحمولة والاستغراق في العمل وسط الأجهزة الرياضية لتسهيل الوصول إليها و والتحفيز على استخدامها، ومع هذا الاتجاه الحديث والصاعد نجد أن بعض الشركات الناشئة قد اتّخذت من مراكز اللياقة البدنية مقرا لها لتستفيد من تجهيزاتها الرياضية والمساحات المخصصة للعمل.

4. تشجيع الموظفين للاشتراك في الأندية الرياضية: من خلال توفير اشتراكات مجانية أو خصومات على النوادي والصالات الرياضية والمراكز الصحية، وقد تمتدّ تلك الخصومات لتشمل باقي أفراد الأسرة من أجل إشاعة نمط الحياة الرياضي وترسيخه في المجتمع.

5. الاهتمام بإقامة الأنشطة والفعاليات الرياضية في المؤسسة: من خلال دمجها مع الأنشطة الترفيهية والاجتماعية، أو إقامة المسابقات الرياضية التنافسية الفردية والجماعية مثل: برنامج يوم المشي وماراثون الجري وتحدي صعود السلالم، ووضع الحوافز والمكافآت لذلك، ويأتي إنشاء فريق رياضي للشركة كمثال واضح لدعمها وتشجيعها للرياضة.

6. تشجيع استخدام التكنولوجيا في خدمة صحة الموظفين: بالاستفادة على سبيل المثال من التكنولوجيا القابلة للارتداء مثل ساعات اللياقة التي تحسب المجهود والخطوات اليومية، وتقدم تحفيزا لطيفا للوقوف والتحرّك بين الحين والآخر، أو عند الجلوس مدة طويلة في وضعية ثابتة، وقد يبدو الوقوف من على الكرسي أو السير بضع خطوات حركات بسيطة ولكنها على المدى البعيد  ومع مرور الوقت تحدث فرقا في صحة الموظف وعافيته.

الرياضة والصحة والإنتاجية هي قيم إنسانية قبل أن تكون غايات مادية أو ربحية، وهي تعود على الموظف وأسرته والمؤسسة والمجتمع بالعديد من المنافع والأثار الإيجابية.

إليك أيضا

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close

Adblock Detected

Please consider supporting us by disabling your ad blocker