اخبار

التأطير الاجتماعي للأدب

كالحاجة إلى ما يسد الجوع ويبرد العطش، تبزغ في كل آونة حاجة إلى الحقيقة، وجوع إلى الفهم، وطمع في الاستزادة من البصيرة، والحقيقة باعتبارها مناطًا البحث البشري في كل تصاريف الأمور، فإنها توزعت على كل ما يلتمسه الإنسان بجهد وطلب، وحسب الوصول إليها وضمانها تشرع الوسائل، وحسب الوسيلة تكتسب الجماعات بعدها الأيدلوجي، ونظرية الممنهجة في تسيير الحياة، والوصول إلى توأم الحقيقة ألا هي المعرفة؛ وبناء على ذلك فإن مسارات المعارف والحقائق يبدأ الخوض فيها بدافع، سنخوض في شأنه أثناء العرض.

كل ذلك يفضي في النهاية إلى سؤال: أين مواطن الحقيقة؟ في أي حقل تُلتَمس؟

لقد درج العرب مثلًا على التماس الحقائق في العملية النصية، وعلى ذلك فإن جملة الثقافة العربية بجلّ مفاهيمها تسلك هذا المسلك، وتحكم النص والمثل وبيت الشعر والخطبة والآية الكريمة في العَصيّ من الأمر، باعتبارها جميعًا أقرب الأبواب المؤدية إلى الفهم، وقد ترأس في ذلك القرآن الكريم باعتباره المعبر إلى الحقيقة المطلقة، وسيلته في ذلك الفصاحة والإعجاز، بل وقد زادوا على ذلك باستحسانهم واستهجانهم طريقة إيراد المعاني، ولهم في ذلك أوجه وعلوم جمعوها كلها تحت راية واحدة وأسموها “البلاغة”، فاتفق مسمى العلم مع غرض العقلية.

وإن تكن أمم قبلهم قد اتخذت من النص والأدب طرقًا إلى المعارف، فإنهم زادوا على ذلك وامتازوا امتيازًا تاريخيًّا عن أقرانهم بنزول القرآن.

ومشخصو الأدب في ذلك الأمر انشغلوا بكثرة المادة الأدبية عن تقصي الدوافع، بل وأرجؤوها إلى تعذر الرؤية وانطماس ملامح النشأة الأولى للغة والنص المقال أو المكتوب، غير أنهم عللوا تطوره وقالوا: إن الدلالات صائرة من المادة إلى التجريد، ومنهم من المحدثين من حلّل معطيات البيئة العربية والتمس فيها الدافع الأول إلى إتقان العملية النصية. (انظر إبراهيم أنيس – من أسرار العربية).

فالدافع إذا قررناه بعد السرد يبقى عبئًا على السياق البيئي، وصروف الطبيعة التي هو كائن عليها، لكنا نختص في الحاضر، ونحقق فيما تكون الدوافع فيه لازمة عن حراك اجتماعي معين، ونشاط ثقافي وفني بعينه أو ربما مستجد سياسي، وأن يفضي الواقع باللجوء إلى السطور المحكية سلفًا وبيت القصيد، تمامًا كما يخدمُ المجرى مصبه، فإنه الآن يجري أن يدفع المرئي إلى المكتوب بشكل كبير، ليجد المستهلك نفسه وجهًا لوجه أمام شغف البحث، والمسارعة إلى التماس الحقائق.

والمسألة في ذلك مسألة دفعٍ وأخذ، أي: إن تحلّق الناس حول أديب زمانهم وشاعره إنما هي الحاجة إلى التشخيص والوصف، فيندفعون نحو الثقات المفوهين من باب التحقق من الدور الواجب تجاه المثار أمامهم، حينها تغدو الحقيقة مطلبًا وجوديًّا، وتستحيل قِبلة يهرع إليها الوعي لحاقًا بالموكب، ومخافة أن يفلت القطار، وخشية من تضييع المعرفة، واتقاء تعري الجهل، أي: إن الحاجة إلى الحقيقة ساعتها لا يبالغ القائل إذا افترضها هي وغريزة البقاء وجهين لعملة واحدة.

واقتحام الأدب لهذا الرواق قديم، منذ أن كان له مستراح في قصور الخلفاء، ولم يكن الخلفاء في ذلك بدءًا في القضية، إنما هو دين دانوا به كمظهر تحضرٍ حاضر في عروق الأسلاف في الجاهلية الأولى، فقد درجوا على الاحتفال بمولد الشاعر والناثر؛ إيمانًا منهم بقيمة النص -كما سبق إيضاحه- وتفويضًا بتشريعية الأدب.

ننظر مثلًا إلى نماذج من الأعمال الفنية والأحداث السياسية التي دفعت الأرجل نحو باعة الكتب مؤخرًا بشكل ملحوظ، فإذا أمعنّا النظر جيدًا، استطعنا تجسيم المبدأ أعلاه كما رُسم له بالضبط.

ما وراء الطبيعة

البداية من عمل مصري خالص، مصري التأليف والإخراج، من إنتاج شركة نتفلكس، “مسلسل ما وراء الطبيعة” المأخوذ من سلسلة الأعمال الروائية للراحل أحمد خالد توفيق.

كانت السلسلة المكونة من واحد وثمانين عددًا قد بيع منها حتى قبل العمل خمسة عشر مليون نسخة في أكثر الإحصائيات التي أشارت إلى مبيعاتها، متخطية بذلك أعمال الراحل نجيب محفوظ، وقد سيطرت على أذهان الجيل الذي كتبت فيه أي استبداد، وتملك الشغف إليها منهم تملكًا عظيمًا، ومثل تلك الأعمال ربما لا تحتاج إلى تسليط الضوء عليها، لأنها ببساطة تعد من الأمهات الأدبية في زمانها.

غير أننا نرصد فعلًا بعينه أَتْبَعَ إصدار المسلسل مباشرة، حيث أدى الافتتان الحاصل من براعة نقل المسلسل بصورة مرئية إلى التطلع والأمل في الاستزادة من ذلك العمل الذي ارتبطت به العين، وباشر المرئي سطوته في إعطاء هيكل عام عن عالم وفضاء السلسلة مما أتاح إلى أعداد في الجيل بعد ما كانت اطلعت عليه قبل المسلسل أن تشرع في الاستزادة من النسخ الأخرى واستكمال الحكاية، والتنقيب عن حقيقة رفعت وعالمه الماورائي بين الأسطر، مدفوعة بالحاجة إلى مواكبة الموجة الاجتماعية التي أحدثها العمل.

وقد لوحظ في تلك الفترة تحديدًا تسابق متاجر الكتب وقتها على توفير عروض مناسبة لبيع السلسلة التي ارتقت في ذات الوقت من حيز الكتيبات إلى فضاء المجلدات، مما يعكس حالة النشاط التي كان محركها الأول الدافع لاقتناء السلسلة بدءًا من المقدمة المرئية في العمل الفني..

أما على الصعيد السياسي، فقد شهِد الأدب الفلسطيني انتعاشة كبرى في الآونة الأخيرة بعد تبادل القصف بين حماس وتل أبيب، وأحداث حي شيخ الجراح في محيط المسجد الأقصى، الهوس الاجتماعي وقتها اتجه إلى كل المعارف ودوائر الأدب التي توفر تاريخًا ووثيقة يمكن من خلالها تشخيص دور كامل لكل مطلّع عليها، رأينا أعمالًا لم تكن في قاموس أدب الشباب من قبل بدأ الاتجاه إليها والإقبال عليها بشغف، متوسمين بذلك في الحُلة الأدبية أن تنقل المواقف صراحة، دون أي تزييف.

هذه كلها حقائق التُمست بواسطة الأدب، دفع إليها المجتمع ممارسًا نوعًا من التأطير المحكم، ورسم دروب ومسالك جديدة يمكن الاهتداء إليها إذا عرِضت قضية على جسد الحياة العامة؛ إذن فالتأطير الاجتماعي للأدب يشرع في إرجاع الأدب إلى أحضان الوعي الاجتماعي مرة أخرى، وتكوين معارف قومية تقف من صروف الزمان موقف الدرع من المحارب.

إليك أيضًا

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close

Adblock Detected

Please consider supporting us by disabling your ad blocker