اخبار

وأد البنات حقيقة أم أكذوبة؟

الوأد هو التخلص من الجنين حيًّا بسبب جنسه، ويتم في مناطق فيها تفضيل للذكور على الإناث، وهو مجتمع مبني على النظام الذكوري الذي يمارس التمييز الممنهج ضد الإناث. وهو يختلف عن الإجهاض لأنه يحدث بعد اكتمال الجنين وولادته. ولا شك في إن عادة الوأد من أقصي أنواع الظلم والطغيان المجتمعي ضد الإناث على مدار التاريخ العالمي وليس التاريخ الجاهلي فقط.

وجميعا لدينا العلم بأن الوأد كان موجودًا بين العرب في العصر الجاهلي قبل الإسلام. ولكن هل كانت هذه العادة منتشرة عند العرب جميعهم أم اختصت بها بعض القبائل؟ وهل ما زال وأد البنات مستمرًا إلى الآن؟ دعونا نفتح الستار عن هذا الموضوع ونتعرف عليه

بداية الوأد في العصر الجاهلي

كانت هذه العادة موجودة عند العرب لاعتقادهم بأن البنات تجلب العار وخوفًا على الشرف ولن تحل هذه الإشكالية لديهم إلا بدفن هذه الفتاة الطفلة حية. يقال إن بداية وجود الوأد عند العرب يرجع إلى الغزوات ولأن هذا المجتمع قائم على الحروب والغزوات في أسلوب حياتهم فلذلك هو قائم على الرجال فلم يكن للمرأة دور في الحروب وكانت تتعرض للسبي والأسر، ولذلك كان الأب الذي يرزق بطفلة ينتابه حالة من الحزن والضيق وقال الله تعالي (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا)

وتحدثنا الروايات أن بداية وأد البنات كان في قبيلة تميم عندما أغار النعمان بن المنذر ملك الحيرة على قبيلة بني تميم حيث استولى على المؤن وأخذ عددًا من نساء القبيلة سبايا وكان من بينهم ابنة قيس بن عاصم زعيم القبيلة وحين تم الصلح بينهم أمر النعمان برجوع السبايا وتحريرهم ولكن فضلت ابنة قيس عدم الرجوع لأبيها مما آثار غضب قيس وأقسم بوأد كل بنت تلدها زوجته، وهناك من يقول: إن الوأد بدأ في بني ربيعة ولكن ينسب خاصة لقيس لأنه اشتهر بوأد عدد كبير من بناته.

ومن المتفق عليه أن قبيلة بني تميم وبني ربيعة كانتا من القبائل التي انتشر بها وأد البنات. وعاده الوأد كانت منتشرة في جنوب الحجاز ولم تكن عند كل العرب ويري البعض أنها كانت قليلة الحدوث فلو كانت منتشرة عن جميع العرب لما بقي الجنس العربي وانقرض إضافة إلى أن العرب كانوا كثيري الزواج قبل الإسلام فكان يتزوج الرجل بعشرة نساء حتى أتى الإسلام وقنَّن الزواج إلى أربعة فقط وتحت شروط أيضًا.

وكان الوأد أيضًا بسبب مخاوفهم من الفقر فكانوا يخافون من اضطرارهم للإنفاق على الذكور والإناث خصوصًا لأنهم في بيئة صحراوية شحيحة وكثيرة الفواجع والمجاعات والإناث يستهلكون بغير نفع مثل الرجال في هذا المجتمع، وكان البعض يقوم به مخافة أن تغير قبيلة على قبيلة فتؤسر البنات أو يتزوجن أزواجًا غير أكفاء.

القبائل المنتشر بها الوأد

ومن القبائل التي انتشر بها عادة الوأد وكانت كثيرة مثل قبيلة بني تميم وبني ربيعة وقيس وهذيل. أما القبائل المستقرة التي كانت أقل فقرًا ولا تغزو بعضها بعضًا، فكانت مثل قريش وكنانة وخزاعة وكانت أقل بكثير في وأد البنات فلا يخافون على بناتهم من عار الأسر وكانوا يعملون بالتجارة فأمنوا من الجوع والفقر ولكن بعضهم مارس هذه العادة كنوع من العقيدة الدينية فاعتقدوا أن الملائكة بنات الله فكانوا يقولون (ألحقوا البنات بالبنات).

أساليب وطقوس الوأد

اختلفت الأساليب بسبب اختلاف سن الموءودة فإن كانت صغيرة دفنت في التراب حية، وإن كانت كبيره فكانت تلقى من جبل شاهق فيتمزق جسدها أو ترمى في بئر وتموت غرقًا، وبعضهم يتم وأدها في سن السادسة فيقوم الأب بدفنها. وبطبيعة الأم الفطرية وشعور الأمومة لديها كانت الأم تتوسل إلى زوجها بعدم وأد طفلتها وفي بعض الأحيان كانت تتفق الزوجة مع زوجها بوأد نصف البنات وترك النصف الآخر أحياء، وكان ذلك تحت تهديد الزوج بهجرها أو طلاقها.

إحياء الموءودة

وهناك من قام على إحياء الموءودة فذكر الحوفي أن صعصعة بن ناجية جد الفرزدق أنه كان رحيمًا فأطلق عليه محيي الموءودات، وكان السبب أنه وجد امرأة تبكي فسألها عن سبب بكائها فقالت: إن زوجها يريد أن يئد ابنتها بسبب الفقر، فقال لها إني اشتريتها منك بناقتين تعيشون بألبانها ولا توأد الفتاة، وتم ذلك وكان كلما سمع عن موءودة فداها فقيل إنه فدى من ٣٠٠ إلى ٤٠٠ مؤءودة.

وأد الذكور

أيضًا كان يوجد وأد للذكور ولكنه كان نادر الحدوث ولا تفعله القبائل إلا في أوقات الفقر الشديد أو لعقيدة دينية، فطلبت هند بنت معاوية من بكر بن وائل وأد ابنها لأنها لا تجد ما يأكله ليعيش فمنعها جارهم همام بن مرة وأعطى لهم ناقة. أما وأد الذكور كعقيدة دينية فكانوا يُقدمون كقرابين للألهة.

أكذوبة وأد البنات

هناك من يجعل من قضية وأد البنات أكذوبة، ومن بينهم الباحث السعودي د. مرزوق بن تنباك الذي يحدثنا في كتابة (الوأد عند العرب بين الوهم والحقيقة): إن قضية الوأد هي أكذوبة تقلل من كرامة العرب ويعطينا أدلة كثيرة منها. إن الدس في التراب عند ولادة الطفل فيما مضى هو دس معنوي مثلما ندس أسماء بناتنا في الوقت الحالي بإخفاء أسمائهن.

ويحدثنا أيضا أن ما ذكره الرازي في كتابه مفاتيح الغيب أن الرجل إذا ظهرت على زوجته آثار الطلق كان يتوارى عن القوم إلى أن يعلم ما يولد فإن كان ذكرًا ابتهج وإن كانت أنثى حزن إلى أن يعرف ماذا يفعل، ويقول دكتور مرزوق: إن الكثير من الباحثين فسّر كلمه يتوارى بالغياب والهروب بينما بلاغة النص في القرآن الكريم هي وصف لحالة الغاضب أو الحزين الذي ينصرف بوجهه وينطوي على نفسه وليس بذلك هروب.

وأيضًا يؤكد أن التفسير الفعلي للوأد هو التخلص من أبناء الزنا، وهذا ما يحدث في كل العصور، وإن الموءودة التي ذكرت في القرآن قصد بها النفس البشرية بغض النظر عن كونها ذكر أو أنثى. ورغم اختلاف الكثير من الباحثين معه إلا أنه لم ينكر وجود الوأد ولكنه عارض أن يكون الوأد مختصًّا بالإثاث فقط. أما عن وجود الوأد في العصر الحديث فهو أيضًا موضوع كبير سوف نتحدث عنه لاحقًا.

إليك أيضًا

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close

Adblock Detected

Please consider supporting us by disabling your ad blocker