اخبار

التدين الشكلي.. كيف يخدعون الناس بحساباتهم الإلكترونية؟!

تخبرني صديقتي عن هذا الشاب الذي تقدم لخطبتها، وكيف أعجبت به بسبب التزامه وأفكاره ورغبته التي يتحدث عنها دائمًا في التقرب إلى الله، ولكن للأسف يتضح لها أن كل هذا كان مجرد خداع، مجرد تدين شكلي، اكتشفت بالدليل القاطع أن لا صحة له، حين علمت أنه يخون ثقتها وقد وعد أكثر من فتاة غيرها بالزواج في نفس الوقت.

فتأخذني أفكاري إلى قريبتي التي تتحدث طوال الليل والنهار على حسابها الإلكتروني عن الأصول والدين، وكيف يمكن أن يتعامل الناس مع بعضهم برحمة ولين، في حين أنها في الحقيقة أعنف ما يكون مع من يخالفها، ولا مشكلة لديها أبدًا في أن تتطاول على أيّ شخص يغضبها، حتى لو كان الأمر بسيطًا. كذلك أتذكر أحد أصدقاء الأسرة الذي يربي لحيته ودائمًا ما يتحدث بالآيات والأحاديث، والذي حاول أن يتمادى معي بشكل لم يعجبني في الحوار، وحين أوقفته عند حده اتهمني بسوء النية.

الكثير والكثير من القصص التي يمكنني أن أرويها لكم والتي حدثت معي ومع الكثيرين، حتى أصبحت أمرًا طبيعيًّا نطلع عليه كل يوم في مواقع التواصل الاجتماعي.

خطورة الأمر

التدين الشكلي قضية خطرة للغاية، أعلم أنها قضية قديمة بقدم المجتمعات كلها، ولكن تفشي ظاهرة التواصل الاجتماعي وسعي الناس من مختلف الطبقات لامتلاك حساب إلكتروني جعل هذه الظاهرة مرعبة، صارخة، وتنذر بالكثير من المصائب التي ستحدث في المجتمع.

التدين الشكلي مشكلته الأساسية أن من يرتدون ثوبه لديهم قدرة عجيبة على خداع الآخرين وكسب الثقة والاحترام، والأمر الذي قد يصل في النهاية إلى تحقيق مكاسب سواء مادية أو اجتماعية أو حتى أهداف سياسية لا حق لهم فيها.

الهوس الديني

للأسف نعيش في مجتمعات لديها هوس ديني، يبجلون أي شيء يرمز إلى الدين، فإن كان رجلًا وربى لحيته يصبح “شيخًا” ويصبح من الواجب اتباعه واحترام ما يقول، حتى وإن كان ما يقول محض هراء لا أساس له من الصحة.

قد يكون الجهل بتعاليم الدين أيضًا أحد أهم الأسباب التي أدت إلى انتشار التدين الشكلي، فالجهل بالدين يجعل بعض الأفراد يصدقون أي شيء يقال لهم طالما يتخذ الهيئة الدينية، حتى وإن كان ما يقال لهم أمرًا غير عقلاني.

الجوهر الحقيقي للدين

للأسف انتشار نموذج التدين الشكلي والمخادعين في ثوب الدين يجعلنا نخشى كل ما هو ديني، بل وقد نسلك طرق بعيدة كل البعد عن الدين والتدين خوفًا من هؤلاء المدعين، خاصة أن هؤلاء المدعين لم يأخذوا من الدين إلا الشكليات فقط، الملابس، السواك، ولم يتسلحوا بالخلق الحقيقي للدين، بل تركوا الجوهر الحقيقي للدين.

والجوهر الحقيقي للدين هو الأخلاق القويمة، حسن التعامل مع الغير، حتى وإن كان هذا الغير مختلفًا معي ومع أفكاري، جوهر الدين الحقيقي الصدق في التعاملات واليقين بقدرة الله، السلام والتعايش والبعد عن الفساد والمفاسد، البعد عما يغضب الله، وأكثر ما يغضب الله هو التعدي على حقوق الآخرين وحرياتهم، حتى بالكلمة.

كيف تعرف المتدين الشكلي؟

حسنًا إن أردت أن تتعرف على المتدين الشكلي لا بد أن تقارن ما يقوم به في الواقع ومن تعاملاته معك، مع ما يكتبه وينشره على حسابه الإلكتروني، ولا تفاجأ إن وجدت أن هذا المدعي يغرق حساباته بالأذكار والآيات والأحاديث التي لا يطبقها في واقعه.

كذلك ستجده دائم التفاخر بكل الشعائر الدينية التي يقوم بها، كالصوم والصلاة والزكاة والصدقات، ستجده يلتقط لنفسه عشرات الصور في كل أمر يقوم به، فهو لا يقوم بالعبادات بهدف التقرب إلى الله، بقدر ما يقوم بها من أجل التفاخر والتباهي وإبراز تميزه وتدينه بالمقارنة بالآخرين، وللأسف ينسى أنه بذلك يرتكب “الرياء” وهو أمر منهي عنه شرعًا، خاصة أن علماء الدين أكدوا أن أعظم العبادات تلك التي تتم في السر بين العبد وربه.

الخاتمة

التدين الشكلي الظاهري كان وسيظل أحد أبرز الأسباب التي أدت إلى تخلف أمة الإسلام، وانتشار مظاهر الفساد فيها، فالتدين الشكلي مثل السوسة التي تنخر في عظام المجتمع لتؤدي إلى تأخره عن باقي المجتمعات، لأنها تحول المجتمع إلى ساحة حرب ومحكمة يقيّم كل شخص فيها إيمان الآخرين.

وبالتي القضاء على التدين الشكلي والتركيز على نشر حرية الفكر وتقبل الآخر، والتوقف عن تقديس الأشخاص والأشياء، والاهتمام بالعلم والعمل وتطوير الإنسان والثقافة هم السبيل الوحيد للتقدم والنمو والإنجاز.

إليك أيضًا

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close

Adblock Detected

Please consider supporting us by disabling your ad blocker