اخبار

التغريبة الفلسطينية: سيرة شعبٍ ومصائر ما بعد نكبته

يحتاج الواحدُ منا دائمًا إلى من يحكي قصصه، من يسرد حقائقه الذاتية أو الجمعية، مرةً ليحميها من التشويه والتزييف على لسانِ الجلادِ وهو الضحية الضعيف، ومرةً لتكون حية وحاضرةً مهما تقدم الزمن. تُعد القضية الفلسطينية واحدةً من قضايا الأمة التي لا تسقط بالتقادم، خاصة ونحن عشنا منذ أسابيعَ قليلة العدوان على غزة. لقد وثق الأدب والسينما للقضية، وأيضا الدراما.

وفي هذا المقال نقدم لكَ واحدًا من أهمِ الأعمال الدرامية التي تناولت القضية حسب ما أقرهُ النقاد. ماذا تعرف عن الانتداب البريطاني لفلسطين، وجلبِ اليهود، والنكبة واللجوء والمخيمات؟ كل هذا يصوره لنا “حاتم علي” في عملهِ الخالد “التغريبة الفلسطينية”.

كيف عرض العمل المأساة الفلسطينية ومراحلها

لقد استطاع الكاتب “وليد سيف” في هذا العمل التلفزيوني الدرامي أن يروي المأساة الفلسطينية بين ثلاثينات وستينات القرن الماضي، ساردًا بذلكَ سيرة عائلة الشيخ يونس الريفية في أحد القرى الفلسطينية التي لم يُذكر اسمها، لتظلَ نموذجًا لكل قريةٍ فلسطينية عاشت الانتداب البريطاني، وسلبَ الأراضي حسب وعد بلفور، وجلب اليهود إلى فلسطين، ثم ثورة الريف الفلسطيني ضد الانتداب، إلى النكبة، التهجير ومأساةِ المخيمات واللجوء، ولاحقا النكسة وتداعياتها. كما استطاعَ المخرج الكبير “حاتم علي” تقديم أحسن عملٍ تلفزيوني عن القضية الفلسطينية حسب ما قاله النقاد، حيث صورَ لنا آلام الفرد الفلسطيني خلال هذهِ المراحل، مقربا لنا المشهد بدموعه، ودمه وحسراته، وحتى بصَمتِه.

حاتم ووليد اللذان عاشا الاحتلال واللجوء أيضا، فحاتم ابن الجولان المحتل الذي عاش كواحدٍ من اللاجئين في المخيمات.

لا تكمن قيمة العملِ في أنه يتناول الجزء الذي يراه كثيرًا الأهم في القضية “النكبة”، التي أخرج فيها العدو الصهيوني بمساعدةِ وتواطؤ بريطانيا الفلسطينيين من بيوتهم وقراهم بالقوةِ والتهديد مرتكبًا جرائم ضد الإنسانية، وتشريد أهاليها في الأردن وسوريا ولبنان ثم في العالم، ليتحولوا من أصحاب بيوتٍ إلى “لاجئين”، بل استطاع العمل أن يقف على مرحلة ما قبل النكبة وما بعدها، وكيف وصلت لها وما الذي أدت له فيما بعد. سيرة متكاملة للقضية على لسان راويها علي، أحدِ أبناء أبو أحمد.

سيرة عائلة الشيخ يونس

يبدأ العمل من النهاية، لحظة وفاةِ أبو صالح (جمال سليمان) هذا الرمز والقائد في ثورة الفلسطينيين ضد الانتداب البريطاني، وضد اليهود، أبو صالح الشخصية النموذجية عن الثائر البطل الذي يقف في وجهِ الظلم، في وجهِ كل من يقترب من أرضه ووطنه رغمَ الفقر والجهل، ليُكمل علي (تيم حسن) سرد سيرةِ عائلته عائدًا إلى القريةِ، أين كانت عائلته: أبو أحمد الشيخ يونس الفقيرة، التي تأكل من خدمتها للأرض، وتشرب من البئر وتبيع بيض الدجاج، لتعيش شريفةً وكريمة.

نتابع مع أم أحمد (جولييت عواد)، مسعود (رامي حنا)، حسن (باسل خياط)، خضرة (نادين سلامة)، محاولات لتدريس حسن وعلي رغم الفقر، ووقوف أبو صالح ضد أبو عزمي وسلب الأراضي والخونة، ليضعنا في مشهد الريف الفلسطيني كيف يعيش، العادات التي تحكمه، معرجًا على ثورة الريف الفلسطيني، وكيف دافع الأحرار عن بلادهم ضد الإنجليز، كيف تحصلوا على السلاح “البارودة” رغم فقرهم، وكيف دفعوا ما يملكونه لشراءِ ما يدافعون بهِ عن أرضهم وعرضهم، عارضًا لنا أيضًا نماذج عن الخونة والمندسين.

ليذهب بنا إلى المشاهد الأقسى في المسلسل بعد الهجوم على القرية وزحفِ السكان حاملين ما تسنى لهم من ممتلكات وأكلٍ، ليشكلوا طوابير الهجرة، فقدوا فيها ما فقدوا من أهلٍ ومالٍ، وحتى من رضعٍ تُركوا لحظة القصفِ، مصورًا معاناتهم في المخيمات التي تفتقد لمقومات العيش، منتظرين ما تجود به منظمة الأنروا.

مصائر جيلِ النكبة

لقد قربَ حاتم علي ووليد سيف للمشاهد العربي، ما لم يره بدقة: المصائر المختلفة للفرد الفلسطيني المنكوب. الذي سلبت أرضه، هجر من بيتِه قسريًّا، ذبح أهله، جن آخرون، ومع ذلكَ ما زال ينتظرُ العودة بعدَ أكثر من سبعين عامًا. فشخصيات العمل كالكثيرين من الفلسطينيين الذين عاشوا النكبة، منهم من قضى، ومنهم من واصلَ تعليمه في الخارج كعلي، ومنهم سافر إلى الكويت للعمل كمسعود، ومنهم من مات كمدًا بعد اقتلاعهِ من جذورهِ كأبو أحمد.

تستطيع تقديم العمل كوثيقة تاريخية، تحفظ سيرة الشعبِ، ويعود لها المشاهد يومًا بعد يومٍ، ليرى الحقائق مصورةً دون حاجةٍ للشرحِ أو التبرير ربما، وربما هنا تكمن أهمية هذا العمل.

إليك أيضًا

تاريخ النشر: الأربعاء، 30 يونيو 2021

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close

Adblock Detected

Please consider supporting us by disabling your ad blocker