اخبار

أربعُ أعمالٍ درامية تناولت الحرب السورية

يحفظ الفن ذاكرة الأفراد والشعوب، وتحفظ الدراما يومياتهم، وهكذا قدمت لنا الدراما العربية تغيرات في المشهد العربي ما بعدَ الثورات والأزمات منذ 2011، حيث ظهر هذا في الدراما السورية التي غيرت الحرب فيها ما غيرت، على مستوى العمران والأفراد، مدن انهارت، وأخرى بقيت، أناس ماتوا وآخرون نزحوا، وهناك من بقي معلقًا بين هذا وذاك. في هذا المقال نرشح لكَ أعمالًا من الدراما السورية، تناولت الحرب في سوريا والتغيرات التي طرأت على الأفراد والمدن، وكيف يعيش الفرد السوري ما بعد الحرب؟

1. ضبوا الشناتي (2014)

داخل بيتٍ واحدٍ، عائلةٍ واحدة استطاع الكاتب ممدوح حمادة والمخرج الليث حجو أن يقدما لنا لوحة فنية بديعةٍ، عن الوطن، الوطن الذي وُلدنا فيه، ربينا فيه، استفقنا على روائح خبزهِ، وحفظنا حاراته وبيوته. لكن ماذا لو كانت حياتنا فيه مهددة، واقفة دون تقدمٍ، ولا نشعرُ بالأمان؟ هذا القرار الذي اتخذه أحدُ أولادِ “أبو عادل” (بسام كوسا)، مع استهجان الأم فيحاء (ضحى الدبس)، لكنهم ما لبثوا أن قرروا جميعًا على تركِ البلدِ.

خلالِ ثلاثين حلقة يأخذنا هذا العمل في جوٍّ يغلب عليه الكوميديا السوداء، السخريةِ من ظروفِ البلد، أصواتِ القصفِ، والوضع اللاآمن، لنعيش مع عائلة أبو عادل، تحضيرها كل يومٍ لحملِ حقائبها ومغادرة البلاد، عبر القوارب إلى أوروبا أو إلى مكانٍ يشعرون فيه بالأمن، والاستقرار.

شخصيات مختلفة تجمع الأبناء وأزواجهم، الذين اجتمعوا في بيتِ أبو عادل من أجلِ ترك البلد، ورغم الخلافات التي تنشب بينهم بخصوص وضع البلد والاتهامات التي يتقاذفونها للدفاع عن جماعات هذا وذاك إلا أنهم يقرون جميعًا أن الحل هو السفر، وتوفير المبلغِ اللازم الذي يضمنُ سفرهم. وفي كلِ مرةٍ يظهرُ معيق جديد يمنعهم من الرحيلِ.

يذهبُ العملُ إلى مناقشة فكرة الوطن، ارتباطِ الإنسان بالمكان الذي كبر فيه، بكلِ ما تعودَ عليه. حتى الجو الاجتماعي الذي أحيط بهِ، اللغة، اللهجة، روائح الأمكنة، حتى مع الظروف القاسية التي يمر بها، انقطاعِ الميا والكهرباءِ أغلب الوقت، نقص المواد الغذائية الأساسية. عمل درامي استطاع تقديم زبدة عن أوجاع المواطن الذي يعاني في بلاده ويعاني لتركها أيضا.

2. غدا نلتقي (2015)

يدخل إياد أبو الشامات ككاتبٍ ورامي حنا كمخرجٍ هذه المرة إلى أحد الأماكن التي يعيش فيها النازحين السوريين في بيروت، ليرصدوا القصص الإنسانية للنازحين بعد أن فروا من الحرب، وكيف تتحول حياة الفردِ من مواطنٍ على أرضِ بلادهِ إلى لاجئ، الغضب الذي يظهر أحد الأبطال جابر (مكسيم خليل) معبراً عن سخطه من الظروف التي جعلت منهُ لاجئا، قائلا: “لك في الصومال.. في الصومال يا الله صار فيه لاجئين سوريين”.

شخصياتُ كثيرة ساهمت في خلقِ عملٍ غنيٍ فني، مليئا بالشعرِ، الحياة، الموسيقى وأيضا الدموع والحزن والغضب. يظهر العملُ التوجهات التي كان عليها اللاجئون من معارضين وموالين بين الأخين جابر ومحمود (عبد المنعم عمايري)، وكذا الظروف القاسية التي يعيشها كلَ فردٍ هناك، حيث وردة (كاريس بشار) الشابة التي اضطرت للعملِ كغسالة موتى، جابر الذي يطوف بسيدهات كل يومٍ لتحصيل ثمن الأنسولين، أما محمود الشاعر الذي لم تطعمه الكتابة وشارفَ على الجنون، وقصص إنسانية تتأرجح بين الحب، الندم والحزن.

لم يكون اللجوء أقل قسوةً من الحرب، حيث تقول وردة: الله يلعن الحرب يلي جمعتني فيكن. أما خلود (نظلي الرواس) التي تكتشف حقيقة الرجل الذي أجبرتها الظروف على الزواج بهِ بعد قتلِ زوجها فكانت ألما عميقا من الحرب. لم تنته آلام اللجوء هنا، لتستمر عارضةً فصلًا آخر من اللجوء عبرَ قوارب الموت، حيث تقرر وردة وجابر والبقية ركوبَ البحر نحو أوروبا، لتنجو وردة وحدها وتحكي الحكاية من باريس قائلة: أنا وردة، عمري 37 عامًا، أحب الشعر، العزلة وأفلام الكارتون.

3. الندم (2016)

على لسان البطلِ “عُروة الغول” (محمود نصر) يروي لنا حياة عائلة الغول في الشامِ منذ ليلة سقوط بغداد 2003 إلى الأزمة السورية وما بعدها 2016، عملٌ فني مشحونٌ بالآلام والأوجاع، ربما لذاتِ الأسباب اختار لنا المخرج الليث حجو، الصورة الملونة للماضي أما الحاضر فكانَ بالأبيضِ والأسود، حاضرٌ يغلبُ عليهِ صوت أم كلثوم ليلًا، تحت أصوات القصفِ، بينما يفترش عروة أوراقه ليسرد كلما ألم بالبلادِ من بغداد إلى الشام.

لكلِ منا ندمه الخاص، هذا ما يتركه العمل داخل مشاهده، حيثُ تفرق الحياةُ والموت عائلة أبو عبد الغول هذا الرجل الغني والقوي الذي لا يغير المال من صفاتهِ، ولم يهزمه سوى المرض. العائلة التي كانت تجتمع على سفرةٍ واحدة قائدها أبو عبد وأم عبده، وكيف يغدو كلّ واحدٍ من هذه العصبةِ الواحدة وحيدا وبعيدًا بعد أن وفاةِ الوالدين.

على لسان عروة نتعرف على حبيبته الأولى هناء (دانا مارديني) وذلك الخطأ الذي جعله يقع في بئر الندمِ دون الخروج منه، كيف رجع سهيل باكيا على بابِ البيتِ الذي أغلق، وكيف يعيش عبده خائفا بعد كل قراراتهِ، وحتى الأخت ندى التي يلاحقها الندم في الأخير. “الندم” هو ما يجمع أبطال المسلسل، وربما ما قاله عروة هو ما يعبر عن كل ما حدث: ماذا زرعنا لنحصد كل هذا الخراب.

لم يعرض المسلسل الحرب كجزءٍ منفصل، لقد كانت حاضرةً طول المدة بين الأفراد، من خلال شخصيات مندسة، وأخرى مراقبة ومهددة، أما أصوات الحرب التي كانت خلفية صوتية للمشاهد وتأثيرها الاقتصادي على الفرد فكانت واضحةً دون حاجةٍ للحديث.

4. مسافة أمان (2019)

تُقدم لنا الكاتبة “إيمان السعيد” عملها “مسافة أمان” عن سوريا ما بعدَ الأحداث والمستجدات التي طرأت عليها، من وجهة نظرها، تغير الشارعُ، البيوت وعوالم دمشق. تسرب الخوف واللاطمأنينة بين الناس، الكثير منهم فقد عزيزا، والأكثر يعيش حالةُ من عدمِ الأمان. أبطالٌ يظهرون بصفتهم من المعارض، أما البقية فهم منعزلون عما يحدث أو من النظامِ.

تعيش سلام (سلافة معمار) حالةً نفسية بعد فقدانها لزوجها بعد إعدامهِ من طرف مختطفين، بينما تحاول حماية ابنها ومواصلةِ عملها، لتواجه معاناة مع حالةِ الرعاشٍ في يدها تمنعها لمراتٍ من ممارسة مهنتها كجراحةٍ، مما يزيد وضعها تأزمًا. في خطين دراميين آخرين تظهر البطلة نور (حلا رجب) التي تلغي زفافها أيامًا قبل الموعد، أما سراب (كاريس بشار) فتعاني من ابتعادِ زوجها وسوء التفاهم مع ابنتها فتنجرف في علاقةٍ مع زوجِ صديقتها غيرَ قادرةٍ على التحكم فيما يحدث.

يبدو الأبطال جميعا في العملِ على بعدِ خطواتٍ مما يهلكهم، سواءً هلاكا مدمرًا كما حدث لزوجِ سلام، أو هلاكًا نفسيًّا كما حدث لنور ويوسف (قيس الشيخ نجيب) الذي يعاني تهديدًا مستمرًا بسبب قصةٍ من ماضيه، وربما ما يرافق العمل من الحكي الصوتي لشكران مرتجى يجعلنا نحلل المشاهد أكثر، واضعين إياها في سياقها المرتبط بالواقع، السياقات التي تربط حياتنا مباشرةٌ دون حاجةٍ للنظرِ من بعيد أو التفسير.

يصفُ العمل الحالة النفسية والمستوى المعيشي التي خلفتها الحرب وعدم الاستقرار الأمني، وظهور الاتجار بالأعضاء والبشر، وكذا الجماعات المسلحة.

تلتقي جميع هذهِ الأعمال في كونها تركز على الحالِ النفسي الذي يعيشه الأبطال إبان الحربِ، وكيف انقسم أبناءُ الوطنِ الواحد إلى موالٍ ومعارضٍ، متناطحي الآراء، يسفكون دماء بعضٍ دون رادعٍ ولا تأنيب ضمير، وكيف تتحول الأرض إلى ساحات معارك، حيث لا مكان فيها للقيم الأخلاقية والإنسانية، ليتحول ما هو مفترض أن يكون “وطنًا” إلى “جحيمٍ”.

إليك أيضًا

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close

Adblock Detected

Please consider supporting us by disabling your ad blocker