اخبار

كلّ الطرق تؤدّي إلى الكتابة

إذا أردت في يوم ما أن تذهب إلى روما؛ ستجد ألف طريقة للوصول فـ “كل الطرقُ تؤدي إلى روما”. وهذه ليست مجرد كلمات عبثية، بل هي نتيجة جهد كبير بُذل في سبيل إنشاء طريق مرصوف يوصل إلى روما، في وقت كانت الإمبراطورية الرومانية تواجه فيه صعوبة شديدة في المواصلات، والكثيرَ من الطرق الوعرة. ولكن ما الذي ستفعله حين تُضيّع طريق الكلمات؟ فلن تصادف مثلًا، آلة لبيعها وأنت تطارد الفراغ بحثًا عن الكلمة التي تريد. والكلمات بالطبع، رأس مال الكاتب. وحين تهربُ منه؛ يغرق داخل دوامة “حبسة الكاتب”، والتي يشعر فيها بأنه حبيس داخل أفكاره، التي لا يستطيع التعبير عنها، مختنقًا بتلك الصفحات أو الشاشة البيضاء.

  • هل يمكن للكاتب أن يُحبس داخل الورقة البيضاء، لأيام، وربما شهور أو سنوات؟
  • هل يختنق الكاتب فعلًا بالكلمات، أو يتعثر بها؟
  • وهل عملية البحث عن الكلمة المناسبة تستغرق منه وقتًا طويلًا، وفي أحيان كثيرة لا يجدها…

إنه لأمر مريع جدًّا أن يقف الكاتب محدقًا في البياض ولا تسعفه كلمة واحدة! رُبما يقول الكثيرون بأن الأمر مبالغ فيه، وأن الكتابة مجرد كلمة تتبعها كلمة، ولغتنا زاخرة بالكثير من الكلمات، التي تحمل معنى واحدًا، فإذا لم تناسبك كلمة ستجد أخرى. ولكن ما لا يدركه الكثيرون أيضًا، أن الأمر ليس مجرد ترف، بقدر ما هو حالة كانت تستوجب الدراسة والتحليل، ولم يُصغ مصطلح “حبسة الكاتب” أو “writer’s block” إلاّ في عام 1947م على يد المحلل النفسي “إدموند بيرجلر” . وقد وجّه إدموند أصابع الاتهام الأولى، إلى الشعور بعدم الأمان فيما يتعلق بإبداع الفرد، وتطوره، وقدرته على ابتكار أفكار جديدة.

فيما وضع جيروم سينجر، ومايكل باريوس -أخصائيو علم النفس الإكلينيكي- أسبابًا أخرى بعد دراسة لعدد من الكتّاب الذين وقعوا في دوامة “حبسة الكاتب” منها:

  • الخوف من المقارنة مع الكتاب الآخرين.
  • عدم وجود دوافع خارجية، كالاهتمام والاحتفاء بالكاتب.
  • عدم وجود دوافع داخلية، كالرغبة في الكتابة وسرد القصص.

وحين اصطدم الشاعر الإنجليزي “تايلر كولريدج” بهذه العقبة، وسئل عن سبب توقفه عن الكتابة، قال: “الأمر أشبه بأن تذهب إلى شخص مشلول وتطلب منه تحريك يديه، فهل يستطيع؟” 

قد تتواجد الفكرة، ويرى الكاتب النص بالشكل النهائي في الفراغ الأبيض، ولكنه يصطدم بالكلمات التي لا ترغب في الخروج، ويفشل في صياغة وتشكيل الجمل، حتى يصل إلى نص نهائي يعجبه. وحينها يواجه خيبة الأمل، ويفقد حماسة الرغبة في الكتابة، وتبوء كل محاولات البدء من جديد بالفشل.

في تلك اللحظة تمامًا يلجأ بعض الكتاب إلى حيل لاستعادة شغفهم الكتابي، ويتّخذون أحد الطرق المؤديّة إلى الكتابة في نهاية المطاف.، قد تبدو بعض تلك الطقوس غريبة وعجيبة، كأن يتفتح المزاج على رائحة التفاح المتعفن، وهي الرائحة المفضلة لـ “جوته” حين يريد البدء في الكتابة. بخلاف “لازاك” الذي يشرب ما يقارب الخمسين كوبًا من القهوة أثناء الكتابة. أما “دان بران” كاتب الخيال الفلسفي، فحين ينقطع منه سيل الأفكار، يكتفي بأن يقلب نفسه رأسًا على عقب، ليستعيد جريان أفكاره، ويخرج من مأزق الحبسة. اختلفت الطرق، والوجهة واحدة: الكتابة، ثم الكتابة، ثم الكتابة.

إليكم بعض الطرق التي يمكن أن تسلكوها:

  • تخلص من المشتتات، ورتب الفوضى حولك.
  • ابتعد عن الكتابة، وعد إليها في وقت آخر.
  • أوقف دوران عجلة الحياة، واسترخ برفقة مشروبك المفضل.
  • مارس التأمل. فعندما تهرب منك الكلمات، حاول الغرق في التأمل أو النظر للسماء. اترك لنفسك العنان وستجدكَ الكلمات. فالكتابة مهارة تتطلب التأمل في التفاصيل التي لا يكترث لها الآخرون.
  • مارس عادة الكتابة الحرة بشكل مستمر دون توقف. اكتب بشكل عشوائي دون التقيد بشروط اللغة، أو الأفكار المسبقة. فقط دع الكلمات تأتي كماهي.
  • استخدم كلمات بسيطة، وتخلص من كل محاولات الابتكار والبحث عن الكلمة المناسبة، عبّر واكتب ما تفكر فيه بكل بساطة.
  • قم بالتغذية الإبداعية. اقرأ في مجالات مختلفة، شاهد أفلامًا وإعلانات تحفز طاقتك الإبداعية.
  • استمع للأطفال. لدى الأطفال قوة خيال كبيرة، وهم يمتلكون مهارات خارقة في توليد الأفكار، استمع إليهم وستجد الإلهام يقفز بين ثنايا حكاياتهم وتساؤلاتهم.

وأخيرًا، تذكر بأنك لست الوحيد الذي يُضيِّعُ طريقه، لذا كن لطيفًا مع نفسك، فالكثير من الكتاب سيضيعون في الصفحات البيضاء، ويعانون من “حبسة الكاتب” . وطريقة التعامل معها، هي التي ستصنع الفارق بين أن تكون كاتبًا سعيدًا وناجحًا، أو كاتبًا تعيسًا وفاشلًا.

إليك أيضًا

تاريخ النشر: الأربعاء، 7 يوليو 2021

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close

Adblock Detected

Please consider supporting us by disabling your ad blocker