اخبار

الخنساء، شاعرة الحزن

حديثي اليوم عن امرأة استثنائية، عُرِفت في الجاهلية بعراقة النسب والحسب، ورجاحة العقل واتزان الفكر، والحرية في الرأي واتخاذ القرارات، وقوة الشخصية، وحُسن الملامح، والروح الشاعرية الفيّاضة.

هي تماضر بنت عمرو من آل الشريد من قبيلة سَلِيم، ويعود نسبها إلى قبائل مضر، لم يُسَجَّل تاريخ ولادتها وبقي مجهول إلى هذه الساعة، إلا أنها تعد من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام معًا، حيث أسلمت مع قبيلتها عندما ذهبوا إلى مدينة رسول -الله صلى الله عليه وسلم-، قال الحُصري في كتاب زهر الآداب وثمر الألباب: «لقبت بالخنساء كناية عن الظبية وكذلك الذلفاء والذل قصر في الأنف ويريدون به أيضًا أنه من صفات الظباء» فكان أنفها قصيرًا وأرنبتيه مرتفعة. ولكم في هذه المقالة قليلًا من أخبارها.

حياتها في الجاهلية

ترعرت الخنساء في بيت عزٍّ وجاه، مع والدها وأخويها صخر ومعاوية، فكان الأبُ شريفًا، ومن وفود العرب على كسرى، والأخوين يَتباهى بهما، ويصفهما بأنهما من أخيار مضر، وينشد قائلًا بين جموع العرب ووسط الزحام: من أتى بمثلهما أخوين من قَبْلُ فله حُكمه، وأمَّا آل الشريد فكانوا من سادة بني سُليم، وكانت مساكنهم في بادية الحجاز.

من الطبيعي أن تكون حياة الخنساء هانئة في هذه البيئة الشريفة، لا يساورها القلق من شيء، ولا تحسب حسابًا للهموم، ولا تعرف ما هو الاضطراب. فقد وفرت لها قبيلتها ومكانتها ما لم يتوفر لغيرها من سُبُل الطمأنينة. وساعدها جمالها وحسن بيانها وقوة منطقها، على إزاحة جميع عراقيل الشقاء.

مضت الأيام وتصرمت السنين على الخنساء، فانتقلت من طفولتها إلى صباها فإلى شبابها، ولا شيء يستدعي الاستعجاب بها، غير ما كانت تمتاز به من جمال ومكانة، إلى أن أناخ بنو جشم رواحلهم بالقرب من منازل بني سَليم، طلبًا للراحة من عناء السفر، وكان القدر أن ينطلق سيد بنو جشم- يدعى دُرَيْد بن الصمة- على فرسه في جولة قصيرة، فشاهد الخنساء بمحض الصدفة، وتملكت قلبه من شدّة جمالها، وعرَف فيما بعد أنها تماضر بنت عمرو أخت صديقه العزيز معاوية، فاطمأن قلبه لأن أخأها صديق حميم له وسَعِد بذلك، وأنشد قائلًا:

حَيّوا تُماضِرَ وَاربَعوا صَحبي

وَقِفوا فَإِنَّ وُقوفَكُم حَسبي

أَخُناسُ قَد هامَ الفُؤادُ بِكُم

وَأَصابَهُ تَبَلٌ مِنَ الحُبِّ

ما إِن رَأَيتُ وَلا سَمِعتُ بِهِ

كَاليَومِ طالي أَينُقٍ جُربِ

مُتَبَذِّلاً تَبدو مَحاسِنُهُ

يَضَعُ الهِناءَ مَواضِعَ النُّقبِ

مُتَحَسِّرًا نَضَحَ الهِناءُ بِهِ

نَضْحَ العَبيرِ بِرَيطَةِ العَصبِ

فَسَلِيهُمُ عَنّي خُناسُ إِذا

عَضَّ الجَميعَ الخَطبُ ما خَطبي

ذهب في صباح اليوم التالي إلى منزل صاحبه معاوية بن عمرو، فاستقبله والده عمرو بالتراحيب والتهاليل، وجلس دُريد في مجلسه ثم قال: “جئت أخطب ابنتك تماضر الخنساء”، فرد عليه عمرو: “مرحبا بك يا أبا قرة، وأنك لكريمٌ لا يطع في حسبه، والسيد لا يرد عن حاجته والفحل لا يقرع أنفه”، ثم قام ليخبر ابنته الخنساء، وعندما دخل عليها قال: “يا خنساء! أتاك فارس هوازن وسيد بني جشم، دريد بن الصمة يخطبك” قالت –وكان دريد يسمع حديثهما-: “يا أبتِ، أتراني تاركة بني عمي مثل عود الرماح، وناكحة شيخ بني جشم؟” وبعد أن صرّحت برفضها، خرج أبوها إلى دريد ليخبره، فقال: “يا أبا قرة، قد امتنعَتْ، ولعلّها تجيب فيما بعدُ”، فردّ عليه دُريد وهو منصرفٌ من المجلس: “قد سمعت قولكما”.

هنا برزت قوة شخصية تماضر وحرية رأيها، حيث رفضت الزواج من رجلٍ كدُرَيد، وهو الذي يُعد سيدًا من أسياد العرب، وفضّلت الزواج من بني عمها، لا من الغرباء على قبيلتها.

بعدها بمدة تقدم إليها أحد أبناء عمومتها، وكان يدعى عبد العزى، فقبلت به وتم زواجهما، ولكن عبد العزى هذا لم يكن رجلًا بالمعنى الذي تحمله الكلمة، بل كان سربوتًا مقامرًا مهمِلًا لأهله وبيته، حيث قدم إلى مسكنه في إحدى الساعات المتأخرة من الليل، وقال لزوجته الخنساء: يا تُماضر أنا قامرت بجميع أموالي وخسرت، فلم يبقَ لي شيء، وأفلستُ تمامًا.

تغيّرت أحوال عيشتهما بعدها واشتد عليهم الفقر، فذهبت الخنساء إلى أخيها صخر وطلبت منه المساعدة، وبرزت هنا أجمل معاني الأخوة والمساندة، حيث قسّم صخر جميع حلاله من أموال ومواشي إلى نصفين، ثم طلب من أخته أن تختار أيّ نصفٍ تُريد، فغادرت الخنساء من عنده وهي تحمل نصف خير أخيها، وعادت أوضاعها المالية إلى مجراها.

ثم قامَر زوجها عبد العزى من جديد، وخسر جميع الأموال التي جلبتها له زوجته من أخيها، فعاودت الخنساء الذهاب إلى صخر وطلبت المساعدة من جديد، وقسم صخر حلاله إلى نصفين وخيّرها بينهم، فاختارت، ورجعت إلى مسكن زوجها، فلم يعرف التوبة ورجع إلى القمار فخسر، فتكررت نفس القصة للمرة الثالثة، إلى أن ضاقت الدنيا على تماضر فخلعت زوجها وعادت إلى منزل أبيها.

ولو رجعنا إلى الحق، فإن الخنساء لم يكن يعجبها وضع زوجها منذ بداية الزواج، لكن صبرت عليه وحاولت ترقيع سواد وجهه، ليس حُبًّا وطربًا به، بل خوفًا من الفضيحة، والشماتة التي ستلحق بأخيها معاوية لأنها رفضت صديقه الحميم، وفضّلت أبناء عمومتها، الذين لم يقدروا هذه المبادرة منها.

ومرت الأيام فتزوجت الخنساء من شخص يقال له المرداس بن أبي عامر، وأنجبت منه أربعة أبناء.

وفي هذه الأثناء، أُقيم سوق العرب في الجاهلية المعروف باسم “سوق عكاظ”، فكان معاوية أخو الخنساء يتجوّل فيه، إلى أن ضرب نظره امرأة في غاية الجمال، فأعجب بها، وذهب إليها وسألها عن اسمها، وقالت: “أنا أسماء اَلْمُرّية”، فاعترف لها بحبه وطلب الزواج منها، إلا أنها صعقته بكونها زوجة “هشام بن حرملة”، وكان هشام هذا من وجهاء العرب وكبارهم، وبعد مرور سنة من هذه الحادثة لم يَنْسَ معاوية تلك الفتاة في السوق، فقام بجمع تسعة عشر مقاتلًا من أبناء عمومته، ليغزو قبيلة هشام ويقوم بقتله، ويتمكن من الزواج بأسماء بعدها، ولكن للأسف قُتل معاوية في تلك الغزوة، دون أن يحقق مبتغاه، فراح ضحيةً للحب الأعمى.

حزنت الخنساء على أخيها معاوية حُزنًا شديدًا، ففاضت روحها الشاعرية، وأنشدت قائلة:

أَلا لا أَرى في الناسِ مِثلَ مُعاوِيَه

إِذا طَرَقَت إِحدى اللَيالي بِداهِيَه

بِداهِيَةٍ يَصغى الكِلابُ حَسيسَها

وَتَخرُجُ مِن سِرِّ النَجِيِّ عَلانِيَه

وَكانَ لِزازَ الحَربِ عِندَ شُبوبِها

إِذا شَمَّرَت عَن ساقِها وَهيَ ذاكِيَه

وَقَوّادَ خَيلٍ نَحوَ أُخرى كَأَنَّها

سَعالٍ وَعِقبانٌ عَلَيها زَبانِيَه

فَأَقسَمتُ لا يَنفَكُّ دَمعي وَعَولَتي

عَلَيكَ بِحُزنٍ ما دَعا اللَهَ داعِيَه

وبعد مقتل معاوية، ثار أخوها صخر طلبًا للثأر، واشتد غضبه على موت أخيه، نصحته الخنساء وطلبت منه أن يتريث ويعيد النظر في هذا القرار، خوفًا من أن تفقده هو أيضًا، لكن صخر كان له من اسمه نصيب، فجمع فرسان قبيلته وسار إلى قبيلة هشام بن حرملة ودار بينهم قتال شديد، انتصر على أثَره صخر، ولكنه أصيب بطعنة بليغة في موضعٍ قاتل، فعاد إلى مساكن بني سليم وهو بين الحياة والموت -هذه هي ضريبة بعض عادات عرب الجاهلية- وتكفلتا زوجته وأخته الخنساء بالعناية بإصابته، وكانت حالته شبه ميؤوس منها، فعندما يسألون رجال القبيلة عن حاله، ترد عليهم الخنساء فتقول : “لا حيٌّ فيُرجى، ولا ميتٌ فينعى”، وظلّ على حالته هذه حتى مات.

وهنا استفحل حزن الخنساء، وبلغت من الأسى مبلغًا عظيمًا، فقَدْ فقَدَتْ أخاها معاوية بسبب طيشه، وصخر الذي كان مقربًا لها جِدًّا، والذي تعتبره بمثابة المأوى لها عندما تشتد مصائب الزمان، وتتفاقم كُربات الأيام، فيكون كالبلسم على قلبها، ومِرْكازها الذي تتكئ عليه، وهو الذي أعطاها نصف ما يملك ثلاث مرات، ها هو قد مات. فرثته بشعرها وقالت:

بَكَتْ عَيْني وعاوَدَها قَذاها

بعوَّارٍ فما تقضي كراها

على صَخْرٍ، وأيّ فتًى كصَخْرٍ

إذا ما النّابُ لم تَرْأمْ طِلاها

فَتى الفِتْيانِ ما بَلَغوا مَداهُ

ولا يَكْدَى إذا بلغَتْ كُداها

حلفتُ بربِّ صهبٍ معيلاتٍ

الى البيتِ المحرَّمِ منتهاها

لئنْ جزعتْ بنو عمرٍو عليهِ

لقدْ رزئتْ بنو عمرٍو فتاها

لهُ كفٌّ يشدُّ بها وكفٌّ

تَحَلَّبُ ما يجِفّ ثرَى نَداها

تَرَى الشُّمّ الجَحاجِحَ من سُلَيْمٍ

يَبُلّ نَدَى مَدامِعها لِحاها

على رجلٍ كريمِ الخيمِ اضحى

ببطنِ حفيرة ٍ صخبٍ صداها

ليَبْكِ الخَيرَ صَخرًا من مَعَدٍّ

ذَوو أحلامِها وذوو نُهاها

وخَيْلٍ قدْ لَفَفْتَ بجَوْلِ خَيْلٍ

فدارتْ بينَ كبشيها رحاها

ترفَّعَ فضلُ سابغة ٍ دلاصِ

على خَيْفانَة ٍ خَفِقٍ حَشاها

وتسعى حينَ تشتجرُ العوالي

بكأسِ المَوْتِ ساعَة َ مُصْطَلاها

محافظة ً ومحمية ً إذا ما

نبا بالقومِ منْ جزعٍ لظاها

فتترُكُها قدِ اضطَرَمَتْ بطَعْنٍ

تَضَمّنَهُ إذا اخْتَلَفَتْ كُلاها

فمَنْ للضّيْفِ إنْ هَبّتْ شَمالٌ

مزعزعة ٌ تجلو بها صباها

وألجا بَرْدُها الأشوالَ حُدْباً

الى الحجراتِ بادية ً كلاها

هنالِكَ لوْ نَزَلْتَ بآلِ صَخْرٍ

قِرى الأضيافِ شَحْماً من ذراها

فلمْ املكْ غداة َ نعيِّ صخرٍ

سوابقَ عبرة ٍ حلبتْ صراها

أمُطعِمَكُمْ وحامِلَكُمْ ترَكتمْ

لدى غبراءَ منهدمٍ رجاها

ليَبْكِ علَيْكَ قوْمُكَ للمَعالي

وللهَيْجاءِ، إنّكَ ما فَتاها

وقدْ فقدتكَ طلقة ُ فاستراحتْ

فليتَ الخيلَ فارسها يراها

بعد أن مات صخر، حلقت شعرها ووضعت خُفَّيْهِ على خمارها، وتوالت الأيام إلى أن أُقيم سوق عكاظ من جديد، فذهبت إليه الخنساء، ودخلت على خيمة الشاعر العظيم النابغة الذبياني صاحب المعلقة الشهيرة، وكان شاعر شعراء العرب في ذلك الوقت، وأنشدت بعض الأبيات أمام الذبياني، وكان الصحابي الجليل وشاعر الرسول حسان بن ثابت حاضرًا في الخيمة، وبعد أن انتهت قال لها النابغة الذبياني: “اذهبي فأنت أشعر من كل ذات ثديين. ولولا أن هذا الأعمى (الأعشى) أنشدني قبلك لفضلتك على شعراء هذا الموسم”.

وفي رواية أخرى أنه قال: “لولا إن هذا الأعمى (الأعشى) سبقك لقلتُ إنك أشعر الجن والإنس” فغضب حسان وقال: “والله أنا أشعر منك ومنها”.

ذاع صيت الخنساء بين العرب، وكانت مراثيها لأخيها صخر بالذات هي السبب الأعظم في شهرتها، ومن قصصها التي نلامس فيها قوة بيانها وحسن منطقها وجمال بلاغتها، أنه في يوم من الأيام طُلِب من الخنساء أن تصف أخويها معاوية وصخر، فقالت: إن صخرًا كان الزمان الأغبر، وذعاف الخميس الأحمر، وكان معاوية القائل الفاعل. فقيل لها: أيّ منهما كان أسنى وأفخر؟ فأجابتهم: إن صخرًا حرّ الشتاء، ومعاوية برد الهواء. قيل: أيهما أوجع وأفجع؟ فقالت: أما صخر فجمر الكبد، وأما معاوية فسقام الجسد.

حياتها في الإسلام

بعدما دخلت الخنساء في الإسلام، استمرت مسيرتها الشعرية، ولم تَنْتهِ قصتها، حتى إن رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- كان يعجبه شعرها، ويستنشدها ويقول” (هيه ياخُناس) ويومئ بيده.

توفي الرسول، وجاء أبو بكر، ثم وافته المنية، وتولى خلافة المؤمنين عُمر الفاروق، والخنساء على حالِها حزينة، باكية حتى عَمِيت من شدة البكاء، تتملكها الكآبة على فراق أبيها وأخويها وزوجها المرداس بن أبي عامر -ويقال إن الجن من قتلوه لكن تبقى هذه الرواية محط ريب- ولم يبقَ لها في الدنيا سوى أبنائها الأربعة.

وها هي طبول الحروب دقت، والفتوحات الإسلامية متواصلة، والانتصارات تستمر في عهد الفاروق، وَنُودِيَ المسلمون إلى الجهاد في معركة القادسية، وتقدم أبناؤها -قل أبطالها إن شئت- الأربعة، وانضموا إلى صفوف المجاهدين، وأوصتهم الخنساء ليلة المعركة قائلة لهم: (يا بَنيّ، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، وَاَللَّه الذي لا إله إلا هو، إنكم لبَنُو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خُنْتُ أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هَجَّنَتْ حسَبكم، ولا غَبَّرْتُ نَسَبَكم. وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين. واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، يقول الله –تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فإذا أصبحتم غدًا إن شاء الله سالمين، فاغْدُوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمَّرَتْ عن ساقها، واضطرمت لظًى على سياقها، وجللت نارًا على أرواقها، فتيمموا وَطِيسها، وجالِدوا رئيسها عند احتدام خميسها؛ تظفروا بالغُنم والكرامة، في دار الخلد والمُقامة).

وبعد انتهاء المعركة، انتظرت أبناءها الأربعة، فلم يعودوا، وعلمت أنهم نالوا الشهادة جميعهم.. هذه المرة لم تَرْثِي الخنساء أولادها، بل تَصَبَّرتْ وقالت بقلبٍ مؤمن وراضٍ: (الحمد لله الذي شرَّفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته).

تُوفِّيت في عهد خلافة عثمان بن عفان، بعدما شاهدت عزة الإسلام ونصرته. رحم الله هذه الصحابية الجليلة، التي تجلّت في قصتها أروع المعاني وأفضل القصائد وأنبل المشاعر وأعظم العِبر.

إليك أيضًا

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close

Adblock Detected

Please consider supporting us by disabling your ad blocker