اخبار

العلم التجريبي.. وسيلة أم مرجعية؟

شهدت العصور الوسطى في أوروبا صراعًا شديدًا بين الكنسية والعلم، ولهذا الصراع أبعاد قمعية، فقد كان الهدف من ورائه هو أنْ تظلّ للكنيسة السيطرة الكاملة على الشعوب وحياة الناس من حيث جباية الأموال، وأخذ القرارات المصيرية، وأخذ قرار الغفران أو عدمه لعبد أخطأ أو ارتكب ذنبًا.

تبنّت الكنيسة في العصور الوسطى آراء أرسطو وبطليموس اليونانية في الطبيعة والفلك، وأطلقت عليها الجغرافيا المسيحية، وعملت على فرضها على الناس باعتبارها معتقدات دينية، وأن ما يخالفها ستوجه له تهم كالكفر والمروق من الدين، وأنشأت محاكم التفتيش عام 1183م، لمساءلة الناس عن آرائهم في أمور الطبيعة والكون، ومعاقبة المخالف منهم.

ولعل أشهر نموذج يقدم عن الصراع بين العلم والكنيسة هو محاكمة عالم الفلك الإيطالي “غاليليو غاليلي”، بسبب دفاعه عن فكرة دوران الأرض حول الشمس، وهو ما يخالف فكرة مركزية الأرض التي كانت سائدة منذ زمن بطليموس وأرسطو.

السياسات القمعية للكنيسة أدت إلى وجود مشكلة عميقة بين العلم والدين في الفكر الأوروبي، ونفور الناس من الدين، والذي أدّى إلى إيجاد بدائل عنه، سعيًّا منهم لإشباع الفطرة الإنسانية للتعبد، وكان أحد تلك البدائل وأبرزها هو اتخاذ العلم كمعبود بدلًا عن الإله. وسنحاول في هذا المقال عرض هذا المنهج، وإثبات أنه العلم وسيلة للوجود وليس غاية.

النزعة للعلم 

يقول المفكر “روجيه جارودي”: النزعة للعلم هي النزعة القائلة بأن العلم يمكنه حل المسائل كلها، وأن ما لا يمكن للعلم أن يقيسه ويختبره ويتوقعه هو شيء غير موجود”. ذلك الاتجاه الفكري يعتقد أن العلم التجريبي هو الطريق الوحيد الذي يمكن للإنسان من خلاله تحقيق احتياجاته، وهذا يعني أن العلم يمكن أن يعرّف كل ما يهم الإنسان، بل وحصر الموجودات في الأمور التي يمكن للعلم التجريبي أن يدرسها ويتحقق منها.

هل يمكن أن نكتفي بالتفسير العلمي للكون والحياة؟

يدّعون أصحاب هذا الفكر أن العلم فسّر كل شيء وأوضح كل شيء، ولم يعد للإنسان حاجة لشيء يفسر له الكون. وهذا مبني على أسس خاطئة بسبب عدم قدرتهم على إثبات منهجهم، فهم إما أن يلجؤوا إلى العلم لإثبات نظريتهم، وهذا منافٍ لقواعد المنطق، التي لا تجيز إثبات صحة الشي بنفسه، أو أنهم يثبتون نظريتهم بشيء آخر غير العلم، وهذا ضد منهجم وبالتالي سيقعون في تناقض مع أنفسهم.

ما حدود العلم، وهل هو قاصر؟

أصبح القول بأن العلم قادر على فهم كل ما يحويه الكون، وقدرته على حل كل المشاكل التي تواجه البشرية، يواجه حقيقة معرفية أخرى، فعجزه عن الإجابة عن الكثير من الأسئلة أصبح معروفًا في الأوساط العلمية اليوم. وأدرك الناس أن هناك أمورًا لا يستطيع العلم التجريبي إخضاعها للتجربة والاختبار، وبالتي هي خارج إطار منهجه، ومن هذه الأمور التي لم يقدم العلم التجريبي تفسيرًا لها هي الأخلاق، والقيم، والمبادئ، والفن وغيرها.

فبعد أن ظن الناس أن العلم أصبح المصدر الوحيد للمعرفة الإنسانية، واجه في القرن العشرين الكثير من الانتقادات، بل صرّح العديد من قادة العلم التجريبي بعجز العلم عن تقديم الإجابات للكثير من القضايا، وفي هذا السياق يقول الفيلسوف الإنجليزي الملحد “برتراند رسل”: “العلماء يعترفون في تواضع بوجود مناطق يجد العلم نفسه عاجزًا عن الوصول إليها”.

وأكد أينشتاين على هذا المبدأ حينما قال: “إن العقل البشري مهما بلغ من عظم التدريب وسمو التفكير عاجز عن الإحاطة بالكون، فنحن أشبه الأشياء بطفل دخل مكتبة كبيرة ارتفعت كتبها حتى السقف، فغطت جدرانها، وهي مكتوبة بلغات كثيرة، فالطفل يعلم أنه لا بد أن يكون هناك شخص قد كتب تلك الكتب، ولكنه لا يعرف مَن كتبها، ولا كيف كانت كتابته لها، وهو لا يفهم اللغات التي كُتبت بها”.

وفي إشارة لنقص العلم الإنساني في كل المجالات يقول الأستاذ شارل رشيه: “يجب على الإنسان مع احترامه العظيم للعلم العصري، أن يعتقد وبقوة أن هذا العلم مهما بلغ من قوة لايزال ناقصًا نقصًا هائلًا”.

بعض الأمور التي عجز العلم على تقديم تفسير لها

يقول العالم النمساوي “إروين شرودنغز” على قصور العلم الواضح: “إن اﻟﺼﻮرة اﻟﺘﻲ ﻳﺮﺳﻤﻬﺎ اﻟﻌﻠﻢ ﻟﻠﻮﺟﻮﺩ ﻣﻦ ﺣﻮﻟﻨﺎ ﻗﺎﺻﺮة ﻟﻠﻐﺎﻳﺔ فالبرغم ﻣﻦ اﻟﺤﻘﺎﺋﻖ اﻟﻜﺜﻴﺮا اﻟﺘﻲ ﻳُﻘﺪﻣﻬﺎ ﻟﻨﺎ ﻭﻳﺼﻴﻐﻬﺎ في اﻟﻘﻮاﻧﻴﻦ اﻟﺘﻲ ﺗﺤﻜﻢ اﻟﻮﺟﻮد،ﻳﻘﻒ اﻟﻌﻠﻢ ﻛﺎﻷﺑﻜﻢ أﻣﺎم الأمور اﻟﻘﺮﻳﺒﺔ من ﻗﻠﻮﺑﻨﺎ التي ﺗﻬﻤﻨﺎ ﺣﻘﻴﻘﺔ، كمعنى الحمرة والزرقة، الحلاوة والمرارة، الألم الجسدي، واللذة الجسدية، بل لم يقدم أي تفسير عن الجمال والقبح، عن الخير والشر، عن الله والأزلية”.

  • العلم إلى يومنا هذا عاجز عن الإجابة عن الأسئلة الوجودية، وهذا يصطدم بالفطرة البشرية، التي يشعر بها الجميع، وفي هذا السياق يقول بيتر ميداورد : “إن محدودية العلم تظهر بجلاء في عجزه عن الإجابة عن الأسئلة البدائية الطفولية المتعلقة بالأشياء الأولى والأخيرة، أسئلة من قبيل: كيف بدأ كل شيء؟ ما الغرض من وجودنا هنا؟ ما الهدف من الحياة؟”.
  • وهو عاجز تمامًا عن تقديم تصورات عن الغيبيات كالجنة والنار والآخرة، وأشار ابن خلدون لهذا في مقدمته: “العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها. غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمعًا في مُحالٍ.. ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب، فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا يدرك”.
  • فالعلم لم يقدم لنا جوابًا لما وجدت الكواكب والمجرات، والذرات، بل لم يستطع أن يبين لنا مصدر الطاقة والمادة التي استخدمتا في بناء هذا الكون.

إن أصحاب هذا التيار يرون في العلم الخيار الأصلح، فهم وضعوا العلم بمقابل الإيمان بالله، برغم عدم وجود أي تعارض بين الإيمان بالله وتفسير كل شيء في الكون بالعلم، يؤكد البرفسور جون لنكس على ذلك فيقول: “النقطة التي نريد أن نُلمّ بها هنا أن الله ليس بديلًا عن العلم كتفسير، بل على النقيض من ذلك هو أساس كل التفاسير”.

الخاتمة

برغم ما قدمه العلم والعلماء من تطورات مذهلة، ساهمت في تخفيف معاناة البشر، وسهلت عليهم المعيشة، وذللّت الكثير من الصعاب، غير أنه لا يخفى على أحد الدمار الذي ساهم العلم في نشره، وكان له الدور الكبير في ظهور الكثير من المآزق التي كان لها الأثر الكبير على الكوكب بأسره، ومن أشهر من أشار إلى هذه الآثار هو أينشتاين يقول: “إنه لم يستخدم حتى اليوم إلا في خلق العبيد، ففي زمن الحرب يستخدم في تسميمنا وتشويهنا، وفي زمن السلم يجعل حياتنا منهوكة مرهقة”.

العلم بلا أخلاق وقيم يتحول إلى وسيلة ضارة برغم محاسنها، ويعتبر الدين من أهم الاشياء التي تحث على الأخلاق، والقيم وحفظ النفس والمال، ومن هنا نفهم أن العلم وسيلة للتطور ولكن من غير الممكن جعله مرجعية يحتكم إليها البشر.

إليك أيضًا

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close

Adblock Detected

Please consider supporting us by disabling your ad blocker