اخبار

نور عنايت خان.. الأميرة الجاسوسة

عندما يعتنق المرء قضية ما، ويؤمن بها تصبح جزءًا لا يتجزأ منه، وتتكون لدية قوة داخلية تمكنه من أن يضحي بأغلى ما يملك في سبيل تلك القضية، والتاريخ مليء بقصص المناضلين وقادة ضحوا وتنازلوا عن أغلى ما يملكون مقابل العيش بمبادئهم أو الموت من أجلها إذا لزم الأمر.

ومن بين تلك الشخصيات فتاة تُدعى “نور عنايت خان”، الأميرة التي كانت وما زالت رمزًا للتضحية والبطولات غير العادية في الهند وفرنسا والمملكة المتحدة. وسنتعرف عليها من خلال هذا المقال.

الأميرة نور عنايت خان

هي أميرة هندية مسلمة، تنحدر من عائلة ملكية، ترعرعت في كنف والدها الموسيقي، وهي حفيدة السلطان “تيبو”، الذي رفض الخضوع للحكم البريطاني وقاد معارك ضد الاحتلال، فقُتل في إحداها عام 1799م. كانت فتاة حسناء جميلة وشجاعة وذات شخصية قوية، وذكية، وحساسة، وموسيقية، أتقنت العزف على عدة آلات موسيقية إلى جانب إتقانها للغات الهندية، والفرنسية والإنجليزية، ولدت نور في روسيا، في يناير ١٩١٤ من أب هندي وأم أمريكية.

في مطلع الحرب العالمية الأولى انتقلت عائلة نور للعيش في بريطانيا، وبعد اندلاع ثورة روسيا الشعبية، انتقلوا إلى فرنسا في عام ١٩٢٠. وبعد وفاة والد نور عنايت بسبعة أعوام، وإتمام دراستها لعلم نفس الأطفال في جامعة سوربون، قررت الالتحاق بالجيش. وكانت نور تجيد الكتابة، فقد كانت تمتلك عمودًا في صحيفة “لوفيجارو” الفرنسية، ونشرت من خلاله قصص الأطفال الهنود، وفي ١٩٣٩ نشرت كتابها “عشرون حكايا من جاتاكا”، تحدثت فيه عن عقيدتها الداعمة للسلام، واستعدادها الكامل للنضال في سبيل ذلك لكل البشر بدون استثناء.

انضمام نور عنايت للجيش البريطاني

بعد دخول النازيين لفرنسا واستسلام حكومتها لهم، هربت نور مع والدتها وشقيقتها إلى المملكة المتحدة تحت اسم مستعار “نور بكر”، خوفا من النازيين، وانضمت إلى سلاح الجو كمشغل لاسلكي، ولاحقًا إلى فرقة النخبة عام 1942. ثم سافرت لفرنسا وانضمت لخلايا المقاومة التي كانت تسمى”بروسبر” كجاسوسة لصالح بريطانيا، رغم تنبيهات الجهة التي أشرفت على تدريبها بعدم تكليفها بأي مهمة صعبة كونها عاطفية جدًّا.

وبعد أن تم اختراق الخلايا بواسطة جاسوس نازي، رفضت نور العودة إلى بريطانيا رغم أوامر بريطانيا لها بضرورة العودة. لكنها لم تتراجع حتى بعد تصفية العديد من الجواسيس الذين كانوا معها في الشبكة من قبل الشرطة الألمانية السرية، وعملت بمفردها في إدارة شبكة كاملة من العملاء في جميع أنحاء باريس لثلاثة أشهر أخرى، غيّرت خلال تلك الفترة اسمها ومظهرها مرات عديدة.

وبرغم أنها كاتبة وقريبة جدًّا من الأطفال والموسيقى وكانت تبدو أنها غير مؤهلة لمثل هذه المهمات، إلا أنها سارت في اتجاه معاكس، وأثبتت جدارتها في مجال عملها الجديد. واستمر رفض نور حتى تعرضت للخيانة بعد أن وشت بها امرأة فرنسية، وتم القبض عليها وإرسالها إلى سجن انفرادي في ألمانيا. ورغم تعرض نور لكافة أنواع التعذيب لمدة ١٠ أشهر، لم تَلِنْ، واستمرت في الصمود، ولم تفصح أو تكشف عن الأسرار التي كانت بحوزتها، حتى وصفها النازيون “بالخطيرة للغاية”.

بعد نقل نور عنايت و3 من العملاء الذين عملوا معها عام 1944، إلى معسكر الاعتقال “داخاو” جنوبي ألمانيا، أطلق عليها ومن معها النار لتكون نهايتها في 13 سبتمبر من العام نفسه.

الخاتمة

بعد مقتل نور عنايت تم منحها وسام “صليب جورج” فى المملكة المتحدة، تكريمًا لها على شجاعتها وبطولتها. وقامت فرنسا بمنحها وسام “صليب الحرب” الذي يُمنح للأبطال في البلاد، وتم إقامة نصبين تذكاريين لها في فرنسا، وسنويًّا تقوم بإحياء ذكرى وفاتها.

تم اقتباس قصة نور عنايت وتحولت لأفلام سينمائية ومسرحيات في فرنسا والهند والمملكة المتحدة، وغطت الصحف كل مسيرتها وبطولاتها النادرة، وتناولت خبر وفاتها بشيء من التقديس. ويقول الدارسون لسيرتها: إنها لم تتصرف بدافع حبها للمملكة المتحدة، بل كان السبب الرئيسي هو كرهها الشديد للنازية والديكتاتورية. كذلك كانت متأثرة بتربية والدها على مبادئ التسامح الديني وكره العنف والاحتلال بكل أشكاله، وكان ذلك واضحًا من خلال دعوتها إلى استقلال الهند عن بريطانيا.

إليك أيضًا

تاريخ النشر: الإثنين، 27 سبتمبر 2021

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close

Adblock Detected

Please consider supporting us by disabling your ad blocker