اخبار

مجتمع الكريبتيا.. وسيلة الإسبرطيين في قمع العبيد

إسبرطة تلك المدينة اليونانية القوية ذائعة الصيت، اشتهرت بتفوقها العسكري، ومتانة دفاعاتها. خاض جيشها الكثير من الحروب وكان النصر حليفه في معظمها بفضل مهارة وقوة محاربيه، الذين يخضعون لتدريبات قاسية جدًّا منذ نعومة أظفارهم.

كانت إسبرطة ذاتية الحكم ولها قوانينها الخاصة، فمثلًا لم تكن المواطَنة فيها حقًّا يحصل عليه الجميع، بل كان امتيازًا له موجبات لتحصل عليه ويمكن أن تخسره في أي لحظة، وهذا عكس ما كانت عليه جارتها أثينا، فمثلًا أحد الاختلافات بين أثينا وإسبرطة، أن لمواطني أثينا -الذكور الراشدون- الحق في الإدلاء بأصواتهم، وفي خوض الحياة السياسية. في الوقت الذي كانت فيه إسبرطة محكومة من ملكين فيما يعرف بالحكم الثنائي، والمواطنة كانت مقتصرة على فئة صغيرة من الذكور الأحرار.

النظام الطبقي في إسبرطة

ينقسم المجتمع الاسبرطي إلى ثلاث طبقات هرمية وهن:

1. الإسبرطيون الأحرار وعددهم قليل جدًّا.

2. طبقة “Perioikoi”، التي تعني “الذين يعيشون في الجوار”. وهم الحرفيون الذين يتقنون الحرف كصناعة الدروع، والمنسوجات، والمنتجات البرونزية، وكل البضائع. وسبب تسميتهم راجع إلى امتداد مملكة إسبرطة عبر البلدان والقرى المجاورة لها.

3. الطبقة الدنيا في المجتمع الإسبرطي تضم الـ هيلوتس Helots أو العبيد الذين يقومون بجميع الأعمال اليدوية بداية من الزراعة وحتى البناء. يقول المؤرخ “كينيل”: “إن حياة عبيد تلك الطبقة في إسبرطة كانت أشبه بحياة العبيد في العصور الوسطى من العصور القديمة، فقد كانوا “غير أحرار” ولا يتقاضون أجورًا، ولكنهم لم يقيدوا بالسلاسل”.

مجتمع الـ(كريبتيا) واضطهاد العبيد

واجه العبيد في إسبرطة أسوأ الأوضاع، وأشدَّها قهرًا، ومن بين تلك الوسائل التي سببت لهذه الطبقة المتاعب، والتي وصلت لفقدان الحياة، هو ما يعرف بالـ(كريبتيا). وهو نظام مدني يعطي الحق لمنتسبه بذبح عبيد (الهيلوتس)، وبدون أي مبرر وفي أي وقت، ولا وجود لأي محاسبة لهم. هذا البرنامج كان مقتصرًا على أفضل وأذكى فتيان إسبرطة، ويقع الاختيار على الفتيان الذين قاربوا على البلوغ، لغرض تدريبهم وتجهيزهم للقتال وخوض المعارك، فيُجهزون بخناجر ومعدات أساسية للحفاظ على بقائهم ثمّ يؤمرون بقتل العبيد.

كان المتدربون يتسللون إلى الأرياف ليلًا باحثين عن (الهيلوتس)، وكانوا يقتنصون أقوى وأضخم العبيد دون النظر إلى كفاءتهم أو وفائهم أو إن كانوا قد اقترفوا أمرًا خاطئًا أم لا، ويتم اصطيادهم وتقطيعهم والتنكيل بهم.

(ميغيلوس) وهو أحد الإسبرطيين الذين عايشوا تلك الحقبة يقول موضحًا الوضع: “تعتبر(كريبتيا)، برنامج يقوم على إكساب الرجال الشجاعة والجرأة المدفوعة بالإقدام، حيث يشترط البرنامج إمضائهم للشتاء حفاة الأقدام، يتجولون ليلًا نهارًا، ينامون بلا أغطية، ولا أي علامة من علامات الاستقرار، ولا وجود لمن يهتم بهم، كل ذلك يدفعهم للاعتماد على أنفسهم”. فالأشخاص مثل (ميغيلوس) في إسبرطة كانوا يعتبرون ذبح العبيد مجرد تدريبات، ومن ضمن الوسائل المهمة التي تصنع محاربين أقوياء.

أسباب وجود كريبتيا

إن تدريب الأولاد على القتل وقنص العبيد البرئيين ينمي في داخلهم القسوة والغلظة والاعتياد على المواجهة، لكن لم تكن رغبة الإسبرطيين في صناعة مقاتلين أقوياء يصمدوانأمام العدو هو السبب الوحيد في وجود مجتمع “الكريبتيا”، فكان هناك سببٌ آخر لنشوء هذه المجموعات، فقد أراد الإسبرطيون غرسَ الخوف في نفوس العبيد. ولم تكن (كريبتيا) هي أولى الممارسات الوحشية، فقد سبقتها العديد من الممارسات البشعة منها على سبيل المثال ما حدث عام 491 ق. م، تم اختيار 2000 شخص من أقوى وأفضل العبيد ثمّ زُيّنت رؤوسهم بالأكاليل وتمّ اقتيادهم إلى أحد المعابد لتصفيتهم.

يقول “والتر بينروس” أستاذ التاريخ في جامعة ولاية سان دييغو في ورقة نشرت في عام 2015م: «وفقًا لمعاييرهم المتطرفة للرجولة، كانوا يكافئون أولئك الذين يستطيعون القتال رغم انحطاطهم أخلاقيًا»، أي: إن القوة والشدة هي المعيار وليس الأخلاق.

وقد يكون هناك أسباب أخرى خلف تكوين مجتمع “كريبتيا”، وحسب بعض الروايات أن “كريبتيا” نشأت بعد ثورة العبيد في إسبرطة، التي أبدى فيها العبيد قوة بدنية ومهارات قتالية عالية فاقت الإسبرطيين، مما سبب في أنفس الإسبرطيين بعض الجروح وإحساسهم بالدونية، وبالرغم من قمعهم لتلك الثورة بقيت آثار تلك الثورة عالقة في أنفسهم، ومنذ ذلك الحين أُعلِنت الحرب على (الهيلوتس)، وأصبح قتلهم ركنًا من أركان الحرب.

وحتى بعد أن أصبح الهيلوتس مجرد أفراد لا يشكلون أي خطر، استمر الإسبرطيون بمحاربتهم كتحذير مما قد يحدث إن حاول أحد هؤلاء التمرد من أجل حريتهم مجددًا.

إليك أيضًا

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close

Adblock Detected

Please consider supporting us by disabling your ad blocker