اخبار

التعسّف في استخدام الحق

انطلاقًا من بديهية يوقن بها كل عاقل، أنه لا يمكنُ تطبيق نظرية المدينة الفاضلة، ليس لصعوبة تطبيق المفاهيم كالعدل مثلًا، أو تجسيد المبادئ كالصدق وغيره؛ وإنما لعجز البشر عن التنفيذ، وهذا العجزُ راجعٌ إلى اختلاف البشر من جوانب عدة، كاختلاف مستوى الأخلاق بينهم، وتنوع مرجعياتهم الدينية، وبمستويات مختلفة أيضًا. وكما نعرف جميعًا أن حب الذات من أبرز سمات البشر، الذي قد يدفع الشخص إلى تجاوز المدى في استعمال حقه مسببًا في وقوع الظلم على غيره، وهذا ما يعرف “بالتعسف في استخدام الحق”.

وبناء على لوازم الفطرة السليمة، كان من المهم جدًّا إيجاد شيء يَحتكمُ الناسُ إليهِ؛ بحيث يضمن تنظيم المجتمع، وإضفاء نوع من العدل عليه؛ فتوجهت البشرية إلى وضع قوانين تنظم مجتمعاتهم، ولعل أشهرها قوانين حمّورابي ذائعة الصيت.

والأديان أيضًا كان لها الدور الكبير في إرساء قواعد العدل والفصل بين الناس، وإحقاق الحق بين الجميع، دون أي اعتبار لمعايير البشر الشكلية، كالعائلة، والوضع الاجتماعي، فضلًا على الوضع المادي، فارتقت البشرية بالعلوم الإلهية درجات في سلم الفضيلة، ولكن هذا الارتقاء لم يستمر طويلًا؛ فقد تراجع متأثرًا لما تعرضت له الأديان من تحريفٍ في النصوص –باستثناء الدين الإسلامي- وزيغ عن طريق الحق، أضف إلى ذلك الثورة الفكرية الحاصلة الآن، وما صحبها من تغاضٍ مقصود أو غير مقصود عن الأخلاقيات، فكان نتيجة ذلك تراجع الاحتكام إلى الدين، ولجأ البشر إلى ما يعرف بالقوانين الوضعية مجددًا.

التعسف في استعمال الحق بين القانون الوضعي والشريعة الإسلامية

تناولت القوانين الوضعية البشرية مسألة “الحق” بنوع من التقزيم، وتم حصره في ثلاث حالات فقط وهي:

أولا: كأن يُلحق صاحب الحق الضرر بالغير من وراء استخدام حقه، وتجاوزه الحدود المشروعة.

ثانيا: أن يلحق صاحب الحق ضررًا جسيمًا بالغير لتحقيق منفعة بسيطة جدًّا مقارنة بالمصلحة، وهذا يطلق عليه “رجحان الضرر”.

ثالثاً: وأخيرًا عدم مشروعية المصلحة بالأساس، كأن يستخدم صاحب الحق حقه للوصول إلى مصلحة غير مشروعة، كاستخدام أحد أملاكه لأغراض غير أخلاقية وشرعية.

نظرة الإسلام للحقوق

يتقاطع الإسلام مع الحالات الثلاثة السابقة؛ وذلك بسبب سبقه بالعناية بهذا المفهوم حتى وإن لم يُذكر لفظًا، غير أن رؤيته شمولية ودقيقة، فالإسلام ينادي باشتراكية الحق، أي: إنه يرى أن حقوق الأشخاص ليست مختصة بأصحابها اختصاصًا مطلقًا، بل ينظر لمصلحة المجتمع قبل كل شيء، ويمنح الحق للأفراد أو يمنعهم بناء على ذلك.

كيف يحدد الإسلام حقوق الناس

اشتراكية الحق في الإسلام منبثقة من مجموعة أصول وهي:

الأصل الأول

أن الحق مثلما جعل الله فيه مصلحة فردية لصاحبه جعل فيه مصلحة للمجتمع لا تنفك عنه مطلقًا، وإذا ما حدث الفصل بينهما سيحدث خلل كبير له ينعكس على المجتمع ككل. فمثلًا المال هو حق طبيعي للفرد، ولكن غير مسموح له بإتلافه أو هدره، لأنه بذلك سيقع ضرر على حق الضعفاء والمساكين الذين يعيشون على مورد الزكاة مثلًا، ويشير إلى هذا الأصل العظيم قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾

الأصل الثاني

أن يستخدم حقه للوصول إلى غرض غير مشروع، مغاير للغرض الذي وضعه له الشارع، كالبيع الذي يقصد به الربا، أو الزواج الذي يقصد به التحليل، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله المحلِّل والمحلَّل له))، فالبيع والزواج كلاهما مشروع ولغرض شرعي، لكن عندما تحوَّلا إلى وسيلة للغش والضرر والظلم تم تحريمهما. فهناك مبدأ ثابت في الإسلام وهو تحريم الأفعال وكل وسائلها التي تفضي إلى ضرر محتوم، أو إلى مصلحة معها مفسدة تساويها.

الأصل الثالث

أن يستعمل الشخص حقه دون احتراس فيفضي هذا إلى الإضرار بالغير، كأن يستخدم أحد حقه في الصيد، فيطش سهمه بسبب عدم حرصه، وأصاب إنسانًا آخر، يعرف هذا بتضمين الخطأ.

من كل ذلك نفهم أن الإسلام يعطي الحق أو يمنعه بناء على نتيجة ذلك الفعل بالنسبة للمجتمع أولًا، ثم صاحب الحق ثانيًا، فلا يكفي كونك صاحب حق، فوضع الحدود وبعض التقييد يجعل من عملية حفظ حقوق الناس ممكنة جدًّا، وأكثر عدلًا.

إليك أيضًا

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close

Adblock Detected

Please consider supporting us by disabling your ad blocker