اخبار

انتبه طفلك يراقبك ويحاسبك

منذ وقت قريب كنت أجلس مع أقاربي وأطفالهم فحدث شِجار بين الأطفال فقامت أمهاتهم بالفصل بينهم ومنهم من عنفته أمه أمامنا جميعًا، فذهب الطفل وجلس وحيدًا وكان يبدو عليه الغضب والحزن. فذهبت إليه أطيب خاطره وأساعده في تجاوز مشاعره فسألته عما يغضبه، فأجاب بصوت ممزوج بالبكاء أمي صاحت فيَّ أمام الجميع، كان يمكنها أن تخبرني بعيدًا عنهم وبدأ بالبكاء وصاح قائلًا لقد كبرت ولا أحب هذا، فحاولت احتواءه، كلامه كان صادمًا بالنسبة لي فهذا الطفل ما زال في روضة الأطفال.

التقصي والبحث حول صحة مراقبة الأطفال لوالديهم

تسارعت الأفكار والتساؤلات في ذهني، فكيف لطفل أن يتمكن من تقييم الأمور ويضع حالًا يناسبه، فقررت سؤال أمهات أكثر عن مثل هذا السلوك هل تلاحظه على أطفالها أم لا؟

بالفعل كانت أغلب الإجابات تؤيد وجود هذا الوعي عند أطفالهم خاصة الأمهات التي تعطي أطفالها تركيزًا على التفاصيل، وكانت الإجابات تدور حول أن الأطفال يمكنها أن تلاحظ تصرفات يفعلها الأهل سهوًا، وأكدوا أن لكل طفل من أطفالهم له انطباعات وتعليقات مختلفة حسب رؤيته الخاصة، وتختلف من طفل لآخر حسب شخصيته. فهناك من يكون تعليقه نظرات لوم وإحباط، وآخر يغضب ويتصرف بعِند وندية، والآخر يمكن أن يعبر عند مناقشته حسب التنشئة والبيئة المحيطة، وصدمتني أم عندما قالت إن طفلتها التي لم تتجاوز 3 سنوات عاتبتها عندما ضربتها وطلبت أن تصالحها بقبلة وحضن كبير، ونفس الأم قالت إنها لاحظت أن أطفالها يراجعون تصرفاتها ويسألون عن الأسباب.

العودة للطفولة

وبينما كنت أتأمل ما قالته الأمهات، وجدت أنه يوجد عندي دليل أقرب لي، فقد تذكرت مذكراتي التي كتبتها منذ أعوام كثيرة، تقريبًا في المرحلة الإعدادية أي كان عمري أقل من 14 عامًا، بحثت عنها ووجدتها، وعلى الرغم أنني قرأتها. وأمسكها بين يدي ولكنني لا أكاد أصدق أنني في مثل هذا العمر قررت كتابة مذكرات خاصة بالتربية، الأمر يبدو مضحكًا للوهلة الأولى “طفلة لا تزال تتربى تتحدث عن التربية من وجهة نظرها”، أكاد لا أصدق على الرغم من أن تلك المذكرات ما زالت موجودة مدونة بخطي الطفولي.

لم أستوعب مستوى الوعي أو أنني كنت أراقب والداي، وجدت أنني كنت أكتب كل المواقف التي لا تعجبني وأرصدها وأوضحها، وأكتب لها حلًّا يناسبني أو حلول عامة إذا كان الأمر ليس شخصيًّا، وكلما قرأت في تلك المذكرات كان يزداد انبهاري. فلقد وجدت أنني كنت أكتب عن التناقضات بين التصرفات والأفعال، والتوجيهات المكررة بنفس النبرة التي لا تعجبني، وزاد انبهاري عندما وجدت أنني كنت أراقب كل الأهالي من حولي وليس أهلي فقط، وكنت أفعل نفس الأمر أدون الموقف ثم أقوم بوضع التصحيح له.

من وعيي الحالي عن نفسي أدركت أنني كنت من الأطفال الذين يراقبون ويحللون، وعندما أمعنت النظر في المذكرات وجدت أنني قد وضعت عنوانًا لتلك الصفحات التي لم تتجاوز 40 ورقة تقريبًا وكان العنوان “الطريقة الصحيحة لتربية الأولاد والبنات”، هذا كله جعلني أؤمن بعمق أن لكل طفل وعيًا خاصًّا بحدوده لا ترتبط بعمره فقط ولكن أيضًا البيئة التربوية لها عامل كبير.

أريدك أن تعرف

  • أن مقولة “أن هؤلاء أطفال لا يفقهون شيئًا” وجدت أنها متناقلة بين كثير من الآباء وتقال بكل ثقة ممزوجة بسخرية في بعض الأوقات، مقولة خادعة ربما قيلت قبل تطور الوعي بعمق في المجال التربوي والطفولة، الذي أصبح الآن يقدم دراسات متطورة باستمرار عن طرق التربية الحديثة والطفل من جوانب مختلفة في شخصيته واحتياجاته.
  • أطفالك تراقبك وتقيم تصرفاتك سواء بالسلب أو بالإيجاب، ودرجة الاستيعاب تلك تختلف وفق متغيرات كثيرة كالبيئة والتنشئة وكل المدخلات المختلفة التي يشاهدها ويسمعها، فتكون جزءًا من تركيبه العقلي والنفسي.
  • بما أن أطفالك يراقبونك وأيضًا سوف يقلدون كل شيء فتصبح التربية ليست مجرد تعليمات وتوجيهات، لأن طفلك سوف يرى أي تناقضات بين توجيهاتك وأفعالك، وهنا تصبح المراقبة والمحاكاة أمرًا ذا حدين حيث إنه يُسهل زرع الصفات الجيدة بمجرد المحاكاة، وأيضًا يحملك مسؤولية أن تكون واعيًا لكل ما تقول وتفعل أمام أطفالك.
  • ما سبق يؤكد لك أن تعاملك مع الأطفال بتهاون ظنًّا أنهم أطفال سوف يجعلك تخطئ أخطاء جسيمة، من داخل الأطفال يسهل تكون الصدمات والعقد النفسية، ومن الخارج تجاهك كوالدهم قد يصل الأمر أنك تصدم أنك لم تصبح القدوة التي ينظر لها اطفالك باحترام، ويمكنك التأكد من هذا بالنظر في المصادر التربوية بالتحديد في كيفية الحفاظ على صورة الوالدين كقدوة.
  • الأطفال لهم حدود نفسية مثل أي شخص راشد يغضب ويحزن وله كرامة يشعر بالألم عند إهانتها وعند عدم احترامه، والاستهانة به أو السخرية منه، تذكر معلومة كتلك يمكن أن يساعد في إعادة تشكيل طريقة التعامل معهم، كأن تأخذ إذنهم قبل استخدام أي شيء يخصهم.
  • أو إعطاء ممتلكاته لأحد، وعندما تعاتبه بطريقة لائقة الهدف منها أن تعلمه الصواب، بشرط أن يكون بعد أن تهدأ لتجنب تفريغ شحنة الغضب فيه، التي سوف يعاد توجيهها لك أو للطفل ذاته فيصبح يتصرف بعدوانية تجاه نفسه وقت الغضب كضرب رأسه في الحائط أو يوجه العنف لمن حوله فينفر منه أصحابه ويصبح لموقف كهذا أبعاد كبيرة تصل لأن يصبح الطفل منبوذًا بين زملائه لسلوكه العدواني.
  • أو أضرار نفسية أكبر، وهنا دورك أن تتعلم التحكم في غضبك وطرق تفريغه بعيد عن الأطفال أو بتعلمك عن الطفل وسلوكياته سوف يملأك تفهمًا وغضبك يصبح أقل لأنك أصبحت تميز بين ما هو طبيعي لعمر الطفل وبين ما يحتاج للتوجيه.

سوف تربي نفسك لتربي أطفالك

لتربي طفلك سوف تربي نفسك على:

  • الصبر وإدارة الغضب والضغوطات.
  • التعاطف والرحمة والعطاء والحب والتعبير عن المشاعر.
  • طرق الاحتواء والإصغاء.
  • حدود الطفل النفسية وعدم استغلال سلطتك وقوتك.
  • تمنع الكذب وكل السلوكيات التي لا يرضيك نقلها لطفك.
  • التقبل للخطأ والضعف.

وفي نفس الوقت أن تتعلم كل هذا لا يعني أن تحمل نفسك عبئًا يضغطك لدرجة تؤثر على مشاعرك بشكل سلبي، كشعورك أنك أب أو أم غير كافٍ، الحقيقة أنك لست مثاليًّا وهذا غير مطلوب تتحسن بمشاعر داعمة ولا تنقل الضغط لأطفالك، كل ما عليك هو الاجتهاد المستمر والصبر على نفسك فالتربية رحلة سوف تكتشف نفسك فيها أيضًا مع كل مرحلة جديدة. 

وفي النهايةلتصبح الأمور في صالحك تحتاج للاستعداد المسبق وتعرف قدر ما تستطيع عن طفلك واحتياجاته في كل مرحلة لتتجنب الصِدامات والصدمات، ومرافقة أطفالك بحب ممزوج بالحزم والاستعانة بالله والدعاء بأن يكونوا أطفالًا صالحين فنجاحك في التربية رزق وتوفيق من الله.

إليك أيضًا

تاريخ النشر: الأحد، 24 أكتوبر 2021

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close

Adblock Detected

Please consider supporting us by disabling your ad blocker