اخبار

من أنا؟ العاقل أم المجنون؟ رحلتي للبحث عن إجابة وفهم التضاد في نفسي

في بداية تأملي فكرة الوعي الذاتي كانت تشغلني استفسارات مختلفة تشعرني بالحيرة، عندما أراقب نفسي أجد شخصية عاقلة محللة، وآخر تحب والانطلاق والتلقائية، والشخصية الناقدة داخلي لا يعجبها هذا التنوع، وأيضًا كنت أرى تصرفي في مواقف بحكمة أخرى بسطحية، داخلي شخصية متدينة، مع كم التضاد والتنوع الذي رأيته، أصبح هناك سؤال يسيطر علي، مَن أنا بين كل تلك الشخصيات؟ وبالبحث وجدت أن التضاد جزء من التركيب النفسي وكذلك جانب آخر يساعد في التكامل فيحفظ التوازن النفسي، وبعد أن فهمت أن تلك الحيرة تصيب الكثير، قررت مشاركة تجربتي، لتلهمك في تجربتك الخاصة.

بداية الوعي بالتضاد في نفسي

في بداية رحلة الوعي الذاتي لاحظت وجود أصوات في رأسي كل صوت يوجهني لتصرف معاكس، فظهر لي تساؤل دون إجابة، من أنا بين تلك الصوات، فبدأت زيادة التأمل وسلسلة أسئلة لا تنتهي، ووجدت أنه ليس سؤالي وحدي، بل سؤال قديم طرحه الفلاسفة، وعلماء النفس وغيرهم، ولم أصل لإجابة واضحة في إجابة السؤال في البداية، ومع سيطرة الفكرة صادف سماعي لأغنية في فيلم مصري.

فجأة وجدت نفسي أبكي وكأنها لمست حيرتي، كانت كلمات أكثر مقطع لمسني تقول بالعامية المصرية: “سألت نفسي كتير، مارسيتش يوم على بر، أنا اللي فيا الخير ولا اللي فيا الشر، مليان عيوب ولا، خالي م الذنوب ولا إيه” وفهمت منها أن حيرتي يمر بها غيري، وكان هذا دافع لاستمراري في البحث، ولكن هذا وقع بي في فخ الغرق في أعماقي الذي أحتاج لجهد لبناء وعي للخروج منه مع إجابة السؤال.

 ما توصلت له في رحلتي

ومع البحث أكثر فهمت أن البنية النفسية تتكون من مزيج وشخصيات مختلفة تخرج في كل دور وكل موقف، ولكن هذا لم يجب عن سؤالي من يتحكم في كوني نسخة طيبة أم شريرة؟ وكان التفسير الذي أعرفه هو قول الله: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۝ قَدْ أَفْلَحَ مَن زكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [سورة الشمس] وأن دوري هو تزكية نفسي وجهاد هوى النفس، وتقبلت هذا بالوعي وفهمت أن كلما زودت عمل الخير سوف أكون شخصية طيبة تجاهد شر نفسها، وتقبلت أن هذه هي حكمة الله في خلقه، وبقدر ما نجاهد نفسنا نقترب من الجنة، ولكن كان هذا جزء من إجابة السؤال، فماذا عن الشخصيات المختلفة؟ العاقلة والمتهورة، الحازمة والمتراخية، والعميقة والسطحية، والوجوه التي تظهر في أدواري المختلفة، في العمل، في العائلة، في الشارع، في رحلة، وفي مسجد، والطفلة التي تلعب مع الأطفال.

ما توصلت له أن طبيعتنا تختلف حسب السياق الذي نتواجد فيه، وكذلك الشخص له أدوار مختلفة، وليس من الطبيعي أن يكون شخصية محددة ثابته تعمم في كل الأدوار، لأن كل دور له احتياجات مختلفة وعدم المرونة يعني سوء فهم للدور، وكذلك عدم المرونة النفسية في التنقل بين الأدوار، على سبيل المثال: يوجد مدير منظم ومحلل في عمله، تلك الشخصية تحتاج تعديل طريقتها عندما تذهب للمنزل مع أطفالها يحتاج لإطلاق الطفل الداخلي التلقائي المرِح الذي يمكّنه ملاعبة أطفاله، وعندما يوجههم يوجه بلطف وبالطبع لن تكون نفس الجهة المستخدمة في العمل، لأن طبيعة دوره كأب تختلف عن المدير، وعندما يحدث زوجته يحتاج شخصية مختلفة، فإذا كان فاقدًا للتوازن ويعامل زوجته بروح المدير الموجه العملي، لا أحتاج لأذكر كيف سوف تكون علاقتهم بعد فترة.

نفس المدير يحتاج لروح المرِح عندما يذهب في رحلة ليتمكن من الاستمتاع، هذه الصورة وضحت معني التوازن والتغير في اﻷدوار المختلفة، وهذا ساعدني لفهم أن تلك الشخصيات ليست متناقضة بل هي عين التوازن والتكامل، وكل دوري هو توجيهها للسياق السليم، ووضع الحدود المناسبة وفق القيم العليا التي أستمدها من الدين، وهنا هو دور الشخصية المتدينة داخلي، تضبط بوصلة الشخصيات المختلفة لما يرضي الله، كان هذا نقطة فاصلة هدأت الكثير من الضوضاء داخلي، وبتأمل السيرة النبوية يتضح معنى التوازن في الشخصية من تصرفات النبي -صلى الله عليه وسلم- في المواقف المختلفة.

ظهر سؤال آخر يقول: ماذا عن الشخصية والعاقلة والعطوفة في نفس الوقت؟ عرفت أنه لا يوجد تعارض بينها بل كان سوء فهم فهمي الخطأ لشكل الشخصيات المتوازنة، فرسول الله قائد الأمة كان أكثرهم عطفًا، ومع استمرار التعلم في الوعي الذاتي تعرفي على ما يسمى أنماط الشخصيات التي نخلق بها، والتي تجعل هناك أنماطًا سلوكية تغلب على شخصيتنا حسب نمط شخصيتنا، وهذا ساعدني في توضيح الرؤية أكثر حول من أنا؟

الفهم وزيادة الوعي حل أزمة مَن أنا

والجانب الأخير الذي جعل إجابة سؤال من أنا واضحة، هو أن الوعي الفردي دائم التجدد مع أحداث الحياة، والتعلم المستمر ومحاولات الجهاد النفس التي تجعل مني شخص متجدد في كل وجوهه المختلفة، وهذا تأكد لي في مجتمع المعرفة التطبيقية خاصة في مكتبة الوعي الذاتي لرحلة التعلم التي خوضها معهم قاربت على السنتين طورت شخصيتي للأفضل، وساعدتني على الشعور بالتناغم داخلي وتحسين حواري الداخلي.

وفهم أن بغض النظر عن تضاد الخير والشر الذي ذكرناه أعلاه، فما أسميته تضادًّا كان مثل أن عمل الصواب ومرتان لا، أعرف معلومة ولا أطبقها، أعرف الحلال والحرام وأريد تطبيقه وأقدر على تطبيقه فور معرفتي، كل هذا وغيره يوضع في أطار جهاد النفس والمسافة الفاصلة بين التعلم والتطبيق، التي تحتاج جهدًا وتدرجًا وتعلم كيفية التطبيق الصحيحة، وتعلم كيفية تسهيل التطبيق، وغيره من العوامل المساعدة على التطبيق.

وآخر ما تعلمته حول إجابة مَن أنا؟ اتضح في مناقشة لفيديو بعنوان من أنا؟ أضغط على الرابط للاستزادة، تعلمت أننا ولدنا بنسخة تتكون من الاكتساب والوراثة وبالطبع فطرة الخالق الطيبة، ومع النمو والتعلم في مراحل الحياة عندما ننظر لأنفسنا بعين المستكشف نجد أننا مثل من يملك سفينة تبحر لهدف، وفي طريقها تحتاج لتبديل أجزاء لتتمكن من الاستمرار، وتكون بالطبع متناسبة مع الوضع الحالي، ومع تكرار تلك العملية نجد أننا قد بدلنا كل الأجزاء في السفينة مع الاحتفاظ بشكلها الأصلي، لكن كل القطع جديدة، وهذا شكل هام لاستجابتنا لسنة أساسية من سنن الحياة، وهي سنة التغير.

في النهاية.. انتبه أن تجربتي الشخصية يعني أنها تحتمل الخطأ، فانظر بعين المستكشف، كما فعلت في رحلتي التي كان أساسها النظر بعين المستكشف لا المتربص المصدر للأحكام، تلك العين معنها تقبل كل ما أجده، فدوري تجاه نفسي حبها وتقبلها كما هي، ثم يأتي دور التطوير الذي هدفه التزكية لأنني أستحق الأفضل، أنا مخلوق مكرم من الله، الهدف من الرحلة خلق التناغم والسلام النفسي، وأقول بكل ثقة الرحلة مجهدة فكريًّا وتطلبت وقت طويل وطلب مساعدة، ولكنها تستحق.

إليك أيضًا

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close

Adblock Detected

Please consider supporting us by disabling your ad blocker