اخبار

ماذا نرى قبل ولادتنا؟

عد بذاكرتك إلى ذكرياتك الأولى، بالتأكيد ستتذكر مرحلة الطفولة المبكرة ربما عندما كان عمرك ثلاث سنوات، ستتذكر صورًا ضبابية أو مشاعر غريبة ترتبط بأماكن معينة كحديقة المنزل أو المطبخ. والآن عد بذاكرتك إلى الوراء أكثر، ما الذي تتذكره قبل ولادتك؟ بلا شك كنت في ظلام دامس فلست فقط منغلقًا في رحمك بل وعيناك أيضًا كانتا مغلقتين، جهازك البصري كله كان لا يزال تحت الإنشاء.

ماذا لو كان هناك نشاطًا عصبيًا في أعصاب عينيك هل كنت ستعيش تجربة النظر. نحن نعرف الآن أنه وحتى في ظلمات رحم الأم فإن هناك نشاطًا وتجاوبًا في شبكية العين الحساسة للضوء التي تقع خلف العينين قبل ولادتك.

هل للشبكية موجات؟

بالطبع لم يُجر الباحثون تجارب كافية في علم الأعصاب لمعرفة ما يراه الجنين الذي على وشك الولادة. ولكن ومنذ الثمانينيات اكتشف علماء الأعصاب أن شبكية أعين بعض الحيونات قد تعرضت لنشاط ما قبل أن يفتح الحيوان عينيه. وبدراسة العديد من الفصائل الأخرى تمكن علماء الأعصاب من إيجاد مفهوم متين لأنماط الأنشطة العصبية التي تحدث في عيني الحيوان قبل أن يبصر، والذي يمكن أن يشملنا نحن البشر أيضًا لأن عمليات النمو التي تنظم تجاوب الشبكية للضوء تتشابه عند الأجنة البشرية وغيرها من الأجنة غير البشرية، في الواقع تتشابه عمومًا في الثدييات والفقاريات. لذا أنماط الشبكية الموجودة في المخلوقات الأخرى تشبه إلى حد كبير تلك الأنماط الموجودة لدى الإنسان.

تعرف هذه الأنماط بموجات الشبكية، ومن الناحية الفيزيائية فهي نفس النشاط الطبيعي الذي تولده عملية مرور الضوء على شبكية العين.

اكتشافٌ مذهل!

اكتشف علماء أعصاب إيطاليون لأول مرة النشاط الذي يحدث في الشبكية قبل أن يفتح الصغير عينيه وكان ذلك في أواخر الثمانينيات، ولكن الدراسة الفعلية حدثت في العقود اللاحقة في الولايات المتحدة بقيادة الباحثة رايتشل وونق، من جامعة واشنطن، وكارلا شاتز من جامعة ستانفورد، ومارلا فيلير من جامعة كاليفورنيا في بيكرلي. ما قامت به وونق وشاتز وفيلير وزملاؤهن كان عبارة عن نظام تصوير حديث يمكنه أن يعطي صورة لأنماط الشبكية وقت حدوثها- لن يكون الأمر سهلًا وعينة الدراسة عبارة عن نسيج حي يعيش داخل عيني مخلوق هو الآخر يعيش داخل مخلوق آخر.

كل أنواع الفقاريات التي اختُبرت والتي تتضمن القردة والدجاج والسلاحف والفئران والأرانب والقوارض والقطط وحتى الأسماك كان لديها نفس أنماط نشاط الشبكية. غالبًا يبدأ هذا النشاط قبل عدة أيام أو أسابيع من وقت فتح الصغير لعينيه. التوقيت الفعلي متغاير، فبعض الحيوانات مثلًا تفتح عينيها عند الولادة والأخرى لا تفتح عينيها إلا بعد بضعة أيام من الولادة، لكن النمط الأساسي متاشبه تمامًا عند كل الأنواع.

هذا النشاط كيف يبدو؟ بما أن الفئران والقوارض تفتح عينيها بعد الولادة بأسابيع قليلة، فقد زودتنا بمعلومات قيمة عن أمواج الشبكية.

هل للموجات فوائد؟

موجات الشبكية التي وجدنها في كل الفقاريات التي اختبرناها حتى الآن، تعد سمة متطورة مفيدة للغاية (ومهمة أيضًا في الواقع)، ولكن ما الذي نستفيده منها؟

الغاية الأساسية من موجات الشبكية هي تنظيم تطور الدماغ، فهي مهمة لبناء روابط صحيحة بين العين وجزء من الدماغ يدعى المهاد والذي يعد العمود الفقري للدماغ. الألياف العصبية التي تنبثق من العينين، تحفز الخلايا العصبية في المهاد وبالتالي تشكل خطوط متداخلة تتغذى من خلالها إحدى العينين. عندما تُسد الموجات الشبكية في إحدى العينين فإن الخطوط المتصلة بها تصبح دقيقة للغاية، بينما تنمو الخطوط المتصلة بالعين الأخرى نموًّا طبيعيًّا. الجدير بالذكر هو أن عمليات النمو تعتمد في تطورها على توازن الأنشطة التلقائية بين العينين وذلك لبناء الروابط المعقدة والمهمة لتطوير قدرتنا على الأبصار. إذا كانت الشبكية خاملة فلن تبنى الروابط الصحيحة. ولكن موجات الشبكية قد تساهم بالكثير ليس فقط بناء روابط تساعد على تطور الدماغ تطورًّا صحيحًا. ففي دراسات محاكاة أجراها عالم الأعصاب الحاسوبية مارك البرت وزملاؤه، وجدوا بأن الموجات الشبكية قد تعطينا لمحةً عن الأشكال والحركات التي رأيناها عندما أبصرنا بعد أن فتحنا أعيننا لأول مرة.

أنماط موجات الشبكية هي أنماط تلقائية، تُنظمها تفاعلات كيميائية معقدة، ولكن أثناء النمو تنظم هذه التفاعلات نفسها بنفسها لتصبح ذات نمط بسيط نسبيًّا. يمكننا أيضًا أن نتصور سيناريو آخر بحيث تدفع التفاعلات الكيميائية الأنماط لتصبح عشوائية كالتشويش الأبيض والأسود في شاشات التلفاز، أو ذات وميض أحادي، لكن ليس هذا ما تبدو عليه، فالموجات تثور وتتحرك على أية حال بسلاسة في جزء من الشبكية ثم تتلاشى، وتتكرر العملية منتجةً أمواجًا متسقة تسافر عبر جزءٍ من الشبكية ومع مرور الوقت تغطيها بأكملها.

لا تبدو موجات الشبكية تمامًا كالعالم الذي نراه، ولكن لديها بعض الخصائص المشابهة له، فمثلًا هناك مناطق فيها محاطة بحدود كالأشياء التي تحدد ما نراه في عالمنا. وكما وضح لنا ألبرت وزملاؤه فإن الخواص الإحصائية الأساسية للحدود في فيلم موجة شبكية يشبه تلك الخواص الموجودة في عالمنا. وفي دراسات أجريت مؤخرًا لباحثين من جامعة ييل أشارت إلى أن موجات الشبكية قد تعطينا أنماطًا حركية تتطابق مع أبعاد تداخل ما نراه، أي تدفق ما نراه في العالم المرئي.

أطلق ألبرت على موجات الشبكية أنها بمثابة «التعلم الفطري» كنظام تدريب مسبق يعطينا تجربة تساعدنا على فهم ما سنراه لاحقًا. إذًا هل يرى الأطفال الذين على وشك الولادة موجات الشبكية؟ لن نعرف الإجابة مطلقًا.

نظام الرؤية عند الأجنة لا يزال تحت الإنشاء وتساهم في إنشائه موجات الشبكية كما أشرت سابقًا. تتولد موجات الشبكية في كلا العينين تولدًا مستقلًّا لذا سيصعب ملاحظتهما سويًّا. بعيدًا عن هذا نحن أيضًا لا يمكننا معرفة ما يدور في العقول لأنها خصوصيات تحدث في العقل، وهذا ينطبق على البالغين أيضًا، إلا أن البالغ يستطيع أن يعبر على الأقل عما مر به.

موجات الشبكية المُبهجة!

إذا تطرقنا لموضوع ما الذي كنا نراه قبل ولادتنا فسأقول قد يبدو ما كنا نراه كموجات الشبكية، وبغض النظر عما إذا كان الجنين يراها أم لا، فإن رؤية هذه الموجات قد تكون مبهجة للبالغين خاصةً عند معرفتنا لها، بالنسبة لي يبدو نمط الموجات مريح و يدعو للتأمل، والأهم هو أنه أعجوبة من العجائب.

إليك أيضًا

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close

Adblock Detected

Please consider supporting us by disabling your ad blocker