اخبار

بشائر لمن يقلقه مجيء الشتاء

من الناس من يحب فصل الشتاء ويفرح لقدومه وينشط فيه لإنجاز أعماله التي قد يؤجلها إلى هذا الفصل باعتباره أنسب الفصول لديه لتحقيق ذلك. ومن الناس من يكره هذا الفصل وينفر منه ويقلق من مجيئه، وله طبعًا أسبابه الخاصة التي قد تكون في مجملها معقولة، بينما قد يكون بعضها مجرد مخاوف استقرت مع الزمن في أعماق النفس، وذلك بسبب إيحاءات من هنا وهناك وتجارب وافقتها في بعض السنوات.

وقد فكرت فيما يمكن أن يبدد شيئا من هذه المخاوف بالتطرق إلى ما يمكن تسميته بشريات أو أخبار سعيدة ومبررات لطيفة تحمل معها بعض الأمل، فتجمّع لديّ عدد منها سأعرضها فيما يلي.

البشرى الأولى

أن البرد شهران، كما لاحظ ذلك بعض العلماء وقيده، ويعنون به صلب البرد دون حواشيه طبعًا. قال الإمام أبو البركات عبد الله النسفي عند تفسير قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197]، قال: “(الْحَجُّ) أي وقت الحج، كقولك البرد شهران”، فأفاد النسفي قراء تفسيره فائدة عن البرد بشكل عارض بينما هو يفسر آية عن الحج، فكأن القول بأن البرد شهران كان مقررًا عنده وعند الناس في زمنه وأنه من مصطلحات ذلك الزمن. ولعل سبب انتشاره إن كان ذلك صحيحًا هو التهوين على الناس من مجيء الشتاء، وأنه مجرد شهرين سرعان ما يمران وينقضيان بسلام.

وعندما تحدث الأستاذ عباس العقاد عن خواطره في رأس السنة الهجرية، مقارنًا بين ثبات التقويم الهجري وتغير التقويم الميلادي بحيث يحتاج إلى تعديل لجبر كسر الساعات الناقصة ومنع زحف الفصول مع الأزمنة المتطاولة، قال: “فإذا حسبنا السنة شهرين، فعندنا من أشهر الشتاء شهران عدة أيامهما تسعة وخمسون يومًا في بعض السنوات وستون يوًما في سنوات أخرى، وهما يناير وفبراير، وعندنا من أشهر الصيف شهران عدة أيامهما اثنتان وستون يومًا في جميع السنين، وهما يوليو وأغسطس” … إلخ (ر: الإسلام دعوة عالمية، المجموعة الكاملة: 6/ 95).

فالبرد شهران بالمعنى الذي ذكرناه، بغية التهوين من شأنه في نفوس القلقين منه، وإلا فإن فصل الشتاء عند الفلكيين ثلاثة شهور، تبدأ من 22 ديسمبر (أول برج الجدي) وتنتهي في 20 مارس (آخر برج الحوت). ومدته في عرف المزارعين السعوديين ثلاثة أشهر ونصف، بزيادة أسبوعين في أوله، حيث يبدأ الشتاء عندهم مع بداية المربعانية، التي توافق السابع من ديسمبر (16 من برج القوس) وفقًا لتقويم أم القرى.

وبعض المهتمين بإعداد “المنازل الفلكية” ينقص أسبوعين من آخر فصل الشتاء، مقابل زيادة أسبوعين في أوله، فيتفق مع الفلكيين في عدد أيام فصل الشتاء، ويختلف معهم في موعد بداية الفصل ونهايته، وفقًا لجدول مصور متداول على الانترنت، حيث جعل نهاية الشتاء يوم 7 مارس، وليس 20 مارس كما هو الحال عند الفلكيين.

البشرى الثانية

أن البرد يأتي بالتدريج، كما هو الحال مع بقية الفصول، وهذا من لطف الله بعباده، فلا يفاجئهم به، وإنما يعطيهم الفرصة ليستعدوا له ويأخذوا حذرهم، فيشترون لوازمه الناقصة قبل حلوله بوقت كاف، فإن لم يستطيعوا أن يتسوقوا قبل مجيئه بشهر أو شهرين مثلًا، فبمقدورهم أن يتداركوا الأمر مع بداية قدومه حين يشعروا بقرصة لفحاته.

البشرى الثالثة

أن البرد يمكن توقي أضراره المتوقعة على فئات من الناس، ومنهم كبار السن والأطفال والمدخنين والكسالى الذين لا يمارسون الرياضة بانتظام، فلا تنشط الدورة الدموية لدى هؤلاء كما ينبغي، وبالتالي لا يصل الدم إلى أطراف الأصابع العشرين على النحو المأمول. ونفس الحال ينطبق على المدخنين مما يجعل من حاجتهم إلى الرياضة مضاعفة، وأقلها المشي نصف ساعة يوميًّا تحت شمس الضحى أو العصر.

وأما كبار السن الذين لا يستطيعون الحركة فقد يعوضهم عن الرياضة -نوعا ما- تدليك القدمين واليدين حسب تقنيات علم رد الفعل المنعكس للقدم Foot Reflexology وهم لا يستغنون عن تحريك الذراعين وغيرهما من أجزاء الجسد قدر الإمكان، وإن كانوا جالسين أو راقدين، إلى جانب الاهتمام بالصلاة والاسترخاء واتباع نظام غذائي صحي.

البشرى الرابعة

أن فصل الشتاء يجلب السكينة والطمأنينة لأنه هادئ ساكن بطبعه، ويحتفل طائفة من الناس في الغرب بما يسمونه “أيام هالسيون الهادئة”، وهو اسم يطلق على أسبوعين يكون الطقس فيهما هادئًا قبل أقصر يوم في السنة وبعده، ويستعمل الناس هذا اللفظ حين يشعرون بالصفاء أوقات السلام وبالرخاء”، (ر: الموسوعة العربية العالمية 3/ 452). وأقصر يوم في السنة يصادف 21 أو 22 ديسمبر، وهو موعد بداية الشتاء في نصف الكرة الأرضية الشمالي، في عرف الفلكيين، وفيه يحدث انقلاب الشمس الشتوي. ويحتفل الناس في الغرب بمناسبات كثيرة في ديسمبر.

البشرى الخامسة

أن البرد قد يتيح شيئًا من الحميمية في العلاقات الاجتماعية أكثر من غيره، كاللقاءات العائلية في البيوت، ولقاءات الأصدقاء الذين يحبون التجمع حول النار في الصحراء وغيرها طلبًا للمتعة في ضوء الحطب المشتعل، وكذلك تلاقي الزوجين في الشتاء قد يكون له وقع مختلف عن تلاقيهما في غيره من الفصول، ويتحقق فيه معنى قوله تعالى: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) [البقرة: 187] بشكل عميق ودافئ ومثير.

البشرى السادسة

أن فصل الشتاء يظهر ضعف الإنسان أمام نفسه، أو بالأحرى أمام جند من جنود الله، وهو البرد، ويتذكر المؤمن زمهرير جهنم، وهو الغساق الوارد في قوله تعالى: {إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا} [النبأ: 25] في رأي طائفة من المفسرين، وقيل: هو ما سال من صديد أهل جهنم ودموعهم، وقال الطبري: الغساق عندي هو السائل من الزمهرير في جهنم، الجامع مع شدّة برده: النتَن. وذلك أن البرد الذي لا يُطاق يكون في صفة السائل من أجساد القوم من القيح والصديد، اهـ. فالشتاء بشدة برده يذكِّر المؤمن بزمهرير جهنم، كما تذكره شدة الحر صيفا بحرارة جهنم، والعياذ بالله من الصفتين.

البشرى السابعة

أن الشتاء فرصة جيدة لفهم وتدبر حكمة الله في التغيير الذي هو سنة من سنن الحياة، بتقديره عزَّ وجل. وقد يدفع ذلك المتأثر بعنفوانه إلى التغيير من بعض عاداته السيئة أو التخفيف من شدتها ووطأتها، إن أمكن.

البشرى الثامنة

أن الشتاء بسبب طول لياليه يعد فرصة سانحة لقيام الليل، وقراءة القرآن بتدبر وخشوع، وناشئة الليل -وهي أي ساعة من ساعاته- هي أشد وطئًا وأقوم قيلًا، كما قال الله جل وعلا. ومما يعين على ذلك قلة الأسفار في الشتاء، حيث لا استجمام ولا ترفيه كما يحدث في إجازة الصيف.

البشرى التاسعة

أن الشتاء بسبب شدة قرصته اللافحة يجعل المتنعم في بيته وفي فرائه يرق على من لا بيت له ولا كساء، وقد يدفعه ذلك إلى مساعدة العراة والمشردين والمحرومين. فهو فرصة لفعل الخير الذي يناسبه، والجزاء من جنس العمل عند سريع الحساب. وقد يشعر المقعدون من الناس بالمساواة مع غيرهم حيث قعد الجميع في بيوتهم بعد أن هرعوا إليه مع انتهاء النهار وحلول الليل طلبًا للدفء والسلامة.

البشرى العاشرة

أن حب الشتاء خير من بغضه، وأن استقباله بترحاب وابتسام خير من العبوس في وجهه، وذلك أن حبه جزء من الحب الكوني الشامل الذي خلقه الله العالمين على سجاده الأحمر وبين الورود الحمراء!! وهكذا يصل المؤمن إلى أن يحب جميع الفصول محبة إيمانية، لأنها من ربنا الودود الرحيم تعالى جَدُّه.

هذه عشر بشريات لمن يقلق من مجيء الشتاء، بعضها كما رأينا يتعلق بمزايا فصل الشتاء وطبعه المتأصل، وبعضها يتعلق بذهنية المستقبل له، إما بابتسام أو عبوس. نسأل الباري أن يجعلنا والقراء من المبتسمين على الدوام، والله الموفق سبحانه وبحمده.

إليك أيضًا

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close

Adblock Detected

Please consider supporting us by disabling your ad blocker